تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
( 80 ) [ الأنعام ] . هذا اختبار من الله تعالى عرف به عقل إبراهيم السليم ، وإدراكه المستقيم . وقد اختبره الله تعالى وألهمه أن يحطم الأوثان فحطمها ، وجعلها جذاذا ، وألقوه في النار عقابا فقال الله تعالى :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
( 69 ) [ الأنبياء ] . واختبره الله تعالى بكلمة مدلولها أشد ما يكون على النفس البشرية أن يذبح ولده البكر إسماعيل عليه السلام ، فاستجاب لأمر ربه ، وأخذ يذبح ولده الحبيب استجابة للحبيب ، ولكن فداه الله تعالى بذبح عظيم . واختبره الله تعالى بالهجرة من بلده إلى الشام ، وإلى مكة حيث ولده العزيز إسماعيل وأمه واختبره الله تعالى بالحنيفية السمحة فحملها وكانت ملته المتبعة ، وما كان من المشركين . اختبره الله تعالى بكلماته ، أي بمدلولها ، وما ذكرنا بعضها ، فأتمهن أي أتم ما طلب منه فيها ، وكان أمرها عظيما وكان إبراهيم في إتمامها عظيما . ولذا كانت مكافأة الله تعالى له أعظم ، فكانت جزاء وفاقا لما أتم به الكلمات ، قال الله تبارك وتعالى لخليله إبراهيم :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
أي يقتدى به ويتبع ، فالإمام ما يؤتم به ويتبع و « جاعلك » أي مصيّرك بإتمام الكلمات ، ووفائك لهذا قدوة طيبة ، وأسوة صالحة ، فمن اتبعك فقد اهتدى ، وأي امرئ عنده طاقة إبراهيم أبى الأنبياء في القدرة على الاقتداء به ، والاهتداء بهديه والوفاء بكلماته إن ذلك لمقام عظيم . وإبراهيم كان شفيقا رفيقا محبا لأسرته في غير ظلم ولا اعتداء ، وكان يعطف على الأطفال ويرفق بهم ؛ ولذلك لم يكتف بأن كان هو الإمام ، بل أراد أن يكون
زهرة التفاسير — صفحة 394 | محمد أبو زهرة