يكون ، ولا يكون إلا في أمر يعمله العبد بمجاهدة ، وصبر وجهاد نفس ، وقد كان الابتداء بذكر الابتلاء لبيان أن إمامة النبوة لا تكون إلا بمجاهدة ، وجهاد نفس ، وقدم المفعول على الفاعل وهو « الكلمات » التي ابتلى بها ؛ لأن موضع الحديث هو إبراهيم ذاته وليست الكلمات ، فكان هو موضع الاهتمام وحده ، وكان المراد كشف حال نفسه القوية الطاهرة ، كما قال تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ . . .
( 31 ) [ محمد ] .
والكلمات التي اختبر الله تعالى بها إبراهيم ، ليست هي ألفاظها وكلماتها وحروفها ، إنما المراد بالكلمات المدلولات والمطلوبات التي تتضمنها من أوامر ونواه ، ووقائع .
وقد اتجه بعض مفسري السلف إلى إحصاء ما تدل عليه هذه الكلمات ، واعتمدوا في ذلك على أقوال الصحابة والتابعين ، ولكن لم يسند فيها إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم شئ ؛ ولذا قال شيخ المفسرين السلفيين ابن جرير : لا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع . . ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ، ولا بنقل الجماعة يجب التسليم له . ا ه .
وإذا كان لم يصح خبر بهذه الكلمات أو بالوقائع التي تدل عليها الألفاظ ، فإننا نتلمسها من القرآن الكريم سجل النبوات وأخبارها .
وأول واقعة تجلى فيها اختبار الله تعالى لإبراهيم هو في طلبه معرفة ربه رب الوجود ، ورب المشارق والمغارب ، فقد اختبره الله تعالى بذلك - كما حكى القرآن الكريم - فقد كفر بالأوثان ، ابتداء ؛ لأنها لا تنفع ولا تضر ، ثم أخذ يتعرف رب الوجود من الوجود والملك واقرأ قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا