وما كان الباعث على ذلك الحسد ؟ وعبر عن حسدهم بأنه منبعث من نفوسهم ، وذلك التعبير يشير إلى أمرين :
أولهما - أنه ليس له مبرر إلا من نفوسهم فلا وجه لأن يحسدوكم على ما آتاكم الله تعالى من فضله .
ثانيهما - تأكيد ما في نفوسهم من غل بقوله تعالى :
مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ . . .
( 109 ) [ البقرة ] ، كما في قوله تعالى :
يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . .
( 79 ) [ البقرة ] .
والحسد تمنى زوال نعمة غيره ، سواء أعادت النعمة إليه أم لم تعد . فالحاسد لا يريد الخير لغيره ، وهو بهذا يملأ قلبه بالضغن والحقد من غير أن يعود إليه شئ ؛ ولذلك قيل إن الحسد مرض نفسي ، لا يؤذى إلا صاحبه لأنه بمقدار ما ينال غيره من خير تتوالى آلامه ، وخير الدنيا كثير فيزيد مرضه بمقدار ما يؤتى الناس من فضل ، وقد يسمى بعض الناس حسدا ما ينال الناس من غبطة كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله تعالى القرآن ، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله مالا ، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار » « 1 » .
واستعمال الحسد هنا من قبيل المجاز ؛ لأن موضوع الغبطة والحسد ، هو الخير بيد أن الحاسد يتمنى الزوال والغابط يتمنى الدوام والاتباع ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
وإن حسد اليهود كان باديا في كل معاملاتهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي أقوالهم وأفعالهم ، وحسد بعض الذين بقوا على وثنيتهم كان باديا في نفاقهم وفي أفعالهم ، وكانوا يجاهرون بالحسد قبل وقوعه إذ كانوا يجاهرون به ، ولا يخفون كفرهم .
يروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان راكبا دابة فمر بمجلس فيه مسلمون ، ويهود ومشركون من عبدة الأوثان من بقايا الأوس والخزرج الذين لم يكونوا قد دخلوا في الإسلام
هامش
( 1 ) متفق عليه : أخرجه البخاري بنحوه : كتاب التوحيد ( 6957 ) ، ومسلم : صلاة المسافرين ( 1350 ) .