والمخاطبون في قوله تعالى :
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ
هم الذين خوطبوا برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهم الناس جميعا ، مشركوهم وأهل الكتاب فيهم ، فقد بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم للأحمر والأسود والذين طلبوا تغيير المعجزة المحمدية بغيرها من المعجزات الحسية كان منهم المشركون واليهود فهم أخص من بعث إليهم بالخطاب .
وقوله تعالى :
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ
إلى آخره فيه الاستفهام متجه إلى إرادة السؤال لا إلى السؤال نفسه ، وإذا كان الاستنكار للإرادة فهو للسؤال أشد لأنه إذا استنكرت ذات الإرادة ، فالأولى يكون للفعل ، وإنهم ما أرادوا المشابهة بين فعلهم وفعل بني إسرائيل من قبل ، إنما نبههم الله تعالى إلى المماثلة بقوله :
كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ
، أي مثل ما سئل موسى من قبل .
وإن ذلك انحراف عن السبيل ، وترك للحق ، وانصراف عما يوجبه الدليل ، إلى سؤال عن دليل آخر مع سلامة هذا الدليل الذي يعترضون عليه ؛ ولذا قال تعالى :
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
أي ومن يجعل الإيمان في مقابل الكفر فقد سار في طريق منحرف ولم يسلك السبيل المستقيم ، وضل يعنى بعد ، ومعنى ذلك أن من يطلب الكفر يترك سواء السبيل والقصد ، وفي ذلك إشارة إلى أمرين :
أولا - أنهم ضلوا القصد ولم يسلكوا سواء السبيل أي وسطه ؛ لأن وسط السبيل لا يكون اعوجاجا ولا انحرافا ، وأنهم إذ ضلوا سواء السبيل وبعدوا عنه سلكوا طريق الكفر ، واختاروه على الإيمان .
ثانيا - أن السبب في سلوكهم طريق الغى والضلال وطلبهم معجزات يريدونها هو أنهم في أصلهم جاحدون كافرون ، ومن ترك الطريق الواضح مع وضوحه وقيام برهانه فقد كفر ؛ لأنه يتبدل الكفر بالإيمان .