تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
وقدم سبحانه وتعالى أهل الكتاب على المشركين ؛ لأن الكلام كان في أهل الكتاب ؛ ولأنهم أشد جحودا وإعناتا ؛ ولأن الجحود منهم وهم أهل كتاب أشد من جحود غيرهم الذين لم يؤتوا كتابا ؛ فالجهل قد يكون عذرا أحيانا ، وإن لم يكن هنا عذرا . وإن سبب كراهية أن ينزل عليكم خير من ربكم يختلف عند المشركين عنه عند اليهود ، فهو عند المشركين كفر للوحدانية ، وخوف الرئاسة ، والتنافس بين العشائر ، وأما عند اليهود ، فهو كراهية أن تكون الرسل في ولد إسماعيل ، وهم في طبيعتهم الحسد ، يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله . وموضع الكراهية أن ينزل عليهم أي خير من ربهم ، وتنزيل الخير من رب الوجود هو الرسالة ، كان المشركون الذين عاندوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ينفسون على عشيرته بني هاشم ، ولقد قال عمرو بن هشام أبو الحكم الذي لقبه الإسلام بأبى جهل في سبب كفره : ( تنازعنا وبنى عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وسقوا فسقينا ، حتى تجاثينا على الركب ، وصرنا كفرسى رهان ، قالوا : منا نبي فأنى يكون ذلك ؟ والله لا نؤمن به ) . واليهود قد علمنا أنهم كانوا يستفتحون به ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين . ولقد رد الله تعالى كراهيتهم ، وأنه سبحانه وتعالى يسير في اختيار نبيه على مقتضى حكمته وإرادته فقال تعالى :
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
، والله ذو الجلال والإكرام ، والفاعل المختار يختص برحمته من يشاء وهي رحمة الرسالة التي ترحم الناس أجمعين ، كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) [ الأنبياء ] ورحمة القرآن الذي جاء هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين . فمعنى يختص برحمته ، أي يختص بحمل رسالته وقرآنه من يشاء ، أي من يختاره بحكمته والله أعلم حيث يجعل رسالته ، وإن ذلك من فضله ؛ ولذلك قال تعالى :
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
أي صاحب الفضل العظيم الذي يلازمه سبحانه وتعالى ، فلا يكون منه إلا فضل عظيم يعم الناس أجمعين .