القول ، فإن نهى الله تعالى عن أن يقولوا
راعِنا
سد لفساد اليهود الذين يغمزون في القول ، ويتهكمون بهذا على المؤمنين ، وعلى مقام النبوة السامي الجليل .
ولقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى :
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ
والمراد من الكافرين اليهود الذين لووا ألسنتهم غمزا واستهزاء ، وقد أظهر في موضع الإضمار لتسجيل الكفر عليهم ولبيان السبب في عذابهم فهم كافرون بما كان منهم ، وجحودهم للنبوة المحمدية وإنكارهم للقرآن الكريم ونبذهم له وراءهم ظهريا ، والكافر له عذاب أليم ، بمعنى مؤلم ، وتنكيره للدلالة على أنه عذاب أليم لا يدرون كنهه ، ولا حقيقته .
وإن المشركين عبدة الأوثان لم ينزل عليهم كتاب بعد إبراهيم عليه السلام ، واليهود أهل كتاب فنزل عليهم كتاب سماوي ثم حرفوه من بعده ، ونسوا حظّا منه وزادوا عليه أوهاما من عندهم ، وكتموا جزءا كبيرا مما بأيديهم . إن هؤلاء المشركين واليهود جمعهم أمران : أحدهما الكفر ، والثاني بغض محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أو بغض ما جاء به ، فإذا فرقهم العلم بكتاب سماوي ، فقد جمعهم كفر وبغض لما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولذا قال تعالى :
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
.
يود هنا معناها يحب ، وإن الود يجئ بمعنى محبة الشئ ، وبمعنى تمنيه ، وهي هنا بمعنى المحبة فقط ، وما هو بمعنى التمني قوله تعالى :
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
( 9 ) [ القلم ] ، وقوله تعالى :
وَدُّوا ما عَنِتُّمْ . . .
( 118 ) [ آل عمران ] .
وهنا تكون بمعنى المحبة ، أي ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ، ونفى المحبة يومئ إلى الكراهية ، أي يكرهون أن ينزل الله تعالى عليكم أي خير من ربكم ، ومن في قوله تعالى :
مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
لاستغراق النفي ومعناها أي خير من ربكم ، وأعظم الخير من الله تعالى هو أن يكون رسولا من رب العالمين ، وربكم الذي رباكم وصنعكم على عينه .