أن ينزل الله تعالى ملكا إلى الأرض ، وقد نزل جبريل عليه السلام في صورة رجل للنبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث الإيمان الذي رواه البخاري .
لهذا نحن نرى كما ذكرنا أنهما ملكان ؛ لأن الله تعالى ذكر أنهما ملكان ، وسماهما وذكر أنه أنزل عليهما ، وأنهما كانا يحتاطان في بيان السحر ، ويقولان
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
.
كان هذان الملكان غير مضلين للناس ، إنما جاءا لإنقاذ الناس من فتنة السحر إذ كانا يعلمان الحيل والتمويهات ، وطرق الاستهواء التي أشرنا إليها من قبل آخذين لها من القرآن أدلة ، كانا يعلمان الناس ذلك حتى لا يضلوا بالسحر ، وقد اشتد ظلامه ، وطم سيله
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
، أي إن ما نعلمه فتنة يختبر الناس به
فَلا تَكْفُرْ
، أي فلا تأخذ به لأنه كفر ، وإنما علمناك هذا لتتخذ منه وقاية ، ولتحذره ، وليكون ذلك إنذارا حتى لا تصدقه بعد ذلك ، ولتعلم أنه يضل السحر والساحر .
اتبع اليهود ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وتعلموا السحر ، وأخذوا يعلمونه ، وجاء الملكان ليبينا زيفه وطرق التمويه فبدل أن يحذروه تعلموه منهما .
وهكذا هم دائما يأخذون من كل شئ ما يضر ويتركون ما ينفع ، فهم دائما يأخذون من التحذير طريق الوقوع في المحظور ، كما أخذ إخوة يوسف من قول أبيهم يعقوب :
وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ . . .
( 13 ) [ يوسف ] ، فقالوا عندما ألقوه في غيابة الجب : أكله الذئب .
علم الملكان أهل بابل التمويه الذي يكون في السحر ليتقوه ، فأخذ اليهود ذلك ، واتخذوه سبيلا ؛ ولذا قال الله تعالى :
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
هذه صورة من أقبح الصور ، ذكرها مثال لغيرها ، كاستهواء النفوس بمسح تفكيرها ، وأن يستبد بما فيها تفكيرا ، ويسمون ذلك في هذه الأيام بغسل المخ .