ولقد بين سبحانه وتعالى أن اليهود الذين اختاروا السحر على علم الكتاب يتعلمون ما يضرهم ولا نفع فيه فقال تعالى :
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
والضرر في السحر واضح لأنه يفسد العقول ، فالساحر الدائب على السحر ، ينته أمره بفساد عقله ، فيضطرب وتسارع إليه الوساوس ، فلا يكون عنده ميزان عقلي سليم ، يدرك به الحق من الباطل ، ويكون في وسواس مستمر ، ويضر المجتمع ؛ إذ به تفسد القلوب وتضطرب الأفهام ، ولا يكون حق واضح ، ولقد كان لنا صديق كان يتخذ السحر والتنويم المغناطيسى ، وكان عالما رياضيا منظم العقل مستقيم الفكر ، فلما أكثر من هذا التنويم الذي هو السحر ، اضطربت موازين تقديره ، وصار يصدق ما لا يقبل التصديق ويقبل من القول ما لا يصدقه .
وآخر كان مؤمنا أشد الإيمان ، وأكثر من هذا التنويم الذي هو السحر حتى فسد التقدير عنده ، وصار يهرف بقول لا يصدر عن مؤمن عاقل ، فيفضل الرسول على رب العالمين .
وذلك لأن السحر أفسد عقله المؤمن ، وتفكيره السليم ، ونفى الله النفع منه ، فقال تعالى :
وَلا يَنْفَعُهُمْ
أي لا ينفع متخذيه بأي صورة من صور النفع .
وليس لعاقل أن يقوم بعمل مؤكد الضرر ، ولا نفع فيه بأي صورة من النفع ؛ ولذا قال تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
.
أكّد الله سبحانه وتعالى أن من اتخذ هذا النوع ؛ أي أن من اشترى السحر ، ودفع نفسه وعقله وإحساساته - ليس له نصيب في الآخرة ، فالخلاق هو النصيب .
وأكد ذلك باللام الأولى الداخلة على قد ، وبقد وباللام الثانية والجملة في معنى المجاز بتشبيه المشترى للسحر بتقديم نفسه العاقلة الطاهرة بحال من يشترى شيئا تافها ، ويدفع فيه شيئا قيما ويبيع آخرته ، فلا يكون له نصيب فيها .
ولقد أكد سبحانه وتعالى هذا المعنى ، فقال تعالت كلماته :
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
في هذه الجملة السامية تأكيد الذم للسحر وأكده باللام ،