تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا
تدل على نقض العهد بين طرفين ، وأكثر ما تكون عهود اليهود بين رب العالمين وبينهم ، والعهد الذي يكون بين طرفين لا ينقض إلا بتراضيهم ، ولكنهم لا يلتزمون بذلك ، بل ينفردون بالنقض . أو بعبارة أدق لا يعرفون معهودهم ، وقال تعالى :
نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
النبذ الطرح والرمي ، ومعناه في العهود ، نبذ الوفاء وطرحه ، من غير موجب ولا مراعاة ذمام ، ولم يجز القرآن النبذ إلا عند الخيانة ، كما قال تعالى :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ
( 58 ) [ الأنفال ] . ونسب سبحانه وتعالى النبذ إلى فريق منهم ولم ينسبه إلى جميعهم ، لأن الله العدل الحكيم لا يقرر إلا ما هو عدل حكيم ، وقد سكت سبحانه عن موقف الفريق الآخر فهل مالأه ؟ الظاهر أنه إن لم يمالئ فلم يستنكر ، ولم يمنع وهو قادر على المنع ؛ ولذا يصح أن ينسب إلى جميعهم إذ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون ، ولقد حكم الله تعالى عليهم بقوله :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
ف « بل » هنا للاضراب ودفع معنى يتوهم من قبل ، وهو أن أكثرهم فاضل ، ومانع لهم من الشر ، وذلك لقوله تعالى :
نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
، فبين سبحانه أن كثرتهم لا يؤمن بالحق فقال تعالى :
أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
فنفى سبحانه وتعالى عنهم أصل الإيمان بشيء من الفضيلة أو الخلق فبعضهم يمعن في الشر إمعانا والآخرون يسكتون ولا يتحركون لأن الأكثر لا يؤمنون ، فكل من كان على مثل حال هؤلاء اليهود كان كل كلامه وأفعاله لا يصدر عن قلب مؤمن مذعن للحق . وإذا كانوا لا يؤمنون بكتاب الله تعالى الذي أنزل متجها إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإنهم أيضا لا يؤمنون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، مع ما كان منهم قبل أن يبعث صلى اللّه عليه وسلم ، وينبذون كتابه . ولذا قال الله تعالى :
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ
. قوله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
التعبير بلما دليل على أنهم كانوا يتوقعون مجيئه ، وقد كانوا يتوقعون ذلك ويعرفونه ويستفتحون على الذين كفروا ،