تركوا الحق الذي ظهر نوره ، وكان من دأبهم أن يتركوا النور ، ويتبعوا الظلام ، لتعشعش فيه أوهامهم ، ولذلك مع تباعد العهد بينهم وبين نبي الله سليمان عليه السلام الذي سخر الله له الطير والحيوان أخذوا يتبعون أوهاما كانوا قد حرفوا بها التوراة ، لقد زادوا في التوراة قصة ما أنزل الله بها من سلطان ، لأنهم كانوا يكتبون بأيديهم ويقولون هو من عند الله ، وما هو من عند الله .
لقد جاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر الملوك أن السحرة هم الذين أقاموا ملك سليمان ، وأن سليمان ارتد وكفر ، فأخذوا يذكرون هذا السحر ! !
وذلك لأن الذين يضلون دائما عن الحق يتبعون أوهاما لا أساس لها من المنطق ولا من العقل .
ترك اليهود كتاب الله تعالى الذي يتلى بيّنا هاديا مرشدا إلى الحق ، واتبعوا كلام السحر المكذوب ، وراحوا يرددونه في مدراسهم ، ومواضع عبادتهم ، ولذا قال تعالى :
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ
اتبعوا ذلك القول ، وصغت قلوبهم العامرة الممتلئة بهذا العطن من الأقوال الفاسدة ، والشياطين هنا هم أهل الشر من الإنس ، كما قال تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
( 14 ) [ البقرة ] والشياطين يكونون من الإنس ، كما يكونون من الجن كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً . . .
( 112 ) [ الأنعام ] .
فالظاهر في هذه الآية أن الشياطين هنا من الإنس ، وقوله تعالى :
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ
أنهم يتبعونها مصغين إليها متتبعين لها ، كما يتبع الكلام القيم ؛ ولذا عبر بتتلو لأن التلاوة قراءة واضحة بينة تتوالى كلماتها ، فعبر بذلك للإشارة إلى أن الشياطين يحسنون تنسيق الكلمات ويلقونها بنغمات معينة كسجع الكهان ، وأولئك اليهود يستمعون إليها بعناية مصدقين ، مع أنها كاذبة ، ولكن أوهامهم يثبت لهم صدقها ، فسمعوها محافظين على السماع .
والله سبحانه وتعالى رد عليهم أوهامهم التي سجلوها في التوراة على أنها من عند الله ، وما هي عند الله فقال تعالى :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
.