منها ، كما كان ينزل المن والسلوى على بني إسرائيل عند خروجهم من مصر ، وهم يعيشون في سيناء .
هذا بالنسبة لبنى إسرائيل خاصة ، أما بالنسبة للعقل البشرى عامة الذي عاصر المسيح عليه السلام ، وكان في القرون التي قبلها ، فهو أنه عصر الفلسفة الأيونية التي تولدت منها الفلسفة اليونانية ، وقد كان هذا العصر تسوده فلسفة الأسباب والمسببات فلكل شئ سبب عادى ، وكل سبب هو سبب لشئ وأتبع سببا ، فالوجود كله يؤثر بعضه في بعضه ، فالولد يكون من أب وأم ، يكوّن من أصلاب الآباء وبطون الأمهات ، والأبرص والأكمه لا يشفيان ، ولا يمكن أن يعود الميت حيا ، ولا أن يخرج الأموات من قبورهم ، وهكذا فكان لا بد من قوارع تبين أن الأسباب والمسببات من الله ، الله تعالى أبدعها بديع السماوات والأرض ، وهو يغيرها ، وهو الفعال لما يريد .
لقد تطاولوا حتى قالوا : إن الوجود منشأ من موجده بنظام الأسباب والمسببات ، فهو وجد منه وجود المعلول من علته ، فهو ليس مختارا حتى في وجوده ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، فهو القادر المختار المريد العليم السميع البصير ، ليس كمثله شئ وهو فعال لما يريد .
كانت معجزات عيسى عليه السلام قاطعة في إبطال الأسباب العادية والمسببات ولوازمها ، ف تعالى الله ، وتقدست ذاته وتنزهت صفاته .
وما يدعى من أن عصر عيسى عليه السلام كان عصر علم الطب لا يؤيده التاريخ ، بل كان اليهود الذين بعث فيهم عيسى وخاطبهم برسالته ومعجزاته كانوا أجهل الناس بالطب كما حكى عنهم الفيلسوف المسيحي رينان في كتابه .
أيد الله تعالى المسيح عليه السلام بالبينات الباهرة ، ولكن بني إسرائيل كفروا بها ، وأيده عليه السلام بروح القدس ، فقال تعالى :
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
وروح القدس هو جبريل رسول الله تعالى إلى رسله ، كما قال تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا . . .
( 51 ) [ الشورى ] فالرسول