الذي يرسله الله تعالى إلى رسله هو الملك جبريل عليه السلام ، وقال حسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه :
وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس به خفاء
وقال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
( 193 ) [ الشعراء ] ، وروح القدس من إضافة الموصوف إلى الوصف ، أي الروح القدس أي الطاهر وقد وصف بالأمين ، كما ترى في الآية التي تلونا ، وليس إلها ، ولا ثالث ثلاثة كما قال الذين لا يؤمنون إلا بالأوهام ، وهم النصارى الذين يتبعون بولس عدو المسيح ، ولا يتبعون المسيح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .
كفر بنو إسرائيل بالمسيح عليه السلام ، وقد أتى بهذه البينات القاهرة ، ولكنهم كفروا استكبارا عن اتباعه عليه السلام ، ولأن ما جاء به يخالف أهواءهم فهم يريدون الرسول داعيا إلى ما تهوى أنفسهم ، والكفر ملازم لكل من جعل إلهه هواه ، فهو يدين لكل ما يتبع أهواءهم ، ولا يدينون دين الحق الذي يقوم الدليل على صحته ، وأنه من عند الله ؛ ولذلك قال الله تعالى في بني إسرائيل :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ
.
والهوى هو الميل إلى الشئ بالانحراف ، ويسمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه إلى الباطل من كل شئ فهو يهوى إلى الخلق الفاسد ، وإلى الضلال ، ومن بعد ذلك يهوى به إلى النار .
وإنهم يرفضون طاعتهم للحق إطاعة لهواهم ولكنهم يسترون ذلك بالاستكبار ، واستصغار الحق ومن يدعو إليه مستعلين عليه ، كأنهم هم وحدهم ، حملة الرسالة الإلهية ولا يحملها سواهم ، لأنهم أبناء الله وأحباؤه ؛ ولذلك كانوا مستمرين في غوايتهم .
قوله تعالى :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ
الفاء لترتيب ما بعدها من حكم على ما كان قبلها من كفر متوال مستمر ، والهمزة للاستفهام وهو لإنكار الواقع الذي هم فيه ،