تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
ولقد كانت الأرض الإسلامية تلتهم قطعة قطعة ، وفي المسلمين أقوياء لا يرون للدين حقا عليهم يوجب أن ينقذوا إخوانهم من المؤمنين ، فقد كان النصارى يعذبون المسلمين حتى أفنوهم فيها ، والأتراك من النظارة الذين ينظرون ولا يتحركون . وجاء العصر الأخير ، فرأينا أعداء الله وأعداء الإسلام يجندون من المسلمين من يحاربون المسلمين ، ووجدنا من الذين يتمسحون باسم علماء الدين من يؤيدون محاربة المسلم ، للمسلم ، ووجدنا في السنين الأخيرة من الحكام من يقتل المقاتل العظيمة في المسلمين من رعيته ، حتى يلجئهم إلى الوثنيين لينقذوهم ، وتذهب جماعات إسلامية ، وقتا بعد آخر ووجدنا بيت المقدس يخربه اليهود ويستولون عليه ، ووجدنا من الملوك من يؤيدونهم . . اللهم لا حول ولا قوة إلا بك وأنه ينطبق علينا قولك الحكيم :
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
( 85 ) . وإن أولئك الذين يسفكون دماءهم ، ويخرجون أنفسهم من ديارهم باعوا آخرتهم بدنياهم ، وكانت الحياة الآخرة هي الثمن للدنيا التي اشتروها ؛ ولذلك قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
( 86 ) الإشارة إلى الذين سفكوا دماءهم وأخرجوا أنفسهم من ديارهم ، ونقضوا مواثيق الله التي جاءتهم بالأحكام التكليفية ، والإشارة إلى الموصوفين بصفات تشير إلى أن هذه الصفات هي سبب الحكم الذي يقترن باسم الإشارة ، أي أن هؤلاء بسبب أوصافهم قد اشتروا الحياة الدنيا بثمن هو أغلى الأثمان ، وهو الآخرة ، ولكننا نجد أنهم خسروا في الدنيا ؛ لأنهم لحقهم الخزي والعار ، وفسدت نفوسهم ، حتى صارت كالقردة والخنازير ، وإن ذلك حق ، ولكنهم فهموا الدنيا متاعا يستمتعون به كالحيوان فاشتروا هذه الدنيا التي زعموها ، وتركوا الآخرة فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير . ومع أنهم طلبوا الحياة ، وتركوا الآخرة لم ينالوا ما طلبوه طيبا ، بل أخذوه ذليلا مهينا ، مصحوبا بالخزي ، ولكنهم يريدون الحياة الدنيا على أية صورة كانت ، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ، وإن جزاءهم في الآخرة التي تركوها وباعوها ،