نفى الله تعالى بهذا النص السامي نفيا مؤكدا أن الله غافل عما يفعلون ، فإذا كانوا هم ينسون ما يفعلون من آثام لاستمرائهم لها ، واستمرارهم عليها ، فالله تعالى لا ينساها ، وقد أكد سبحانه نفى ذلك بالباء في قوله تعالى :
بِغافِلٍ
وبنفي وصف الغفلة عن ذاته العلية ، بأن الغفلة ليست من شؤونه ، وقوله تعالى :
عَمَّا تَعْمَلُونَ
إشارة إلى إحصائه سبحانه وتعالى أعمالهم حال عملها وحال تلبسهم بآثامها .
تنبيه : هذه الآيات نزلت في بني إسرائيل ، والخطاب لهم ابتداء ، ولكنه شامل عام في عبرته بالنسبة للأمم جميعها ، وخصوصا الأمم التي تقوم على مبادئ رسالة إلهية من السماء ، فإنها يجب أن تكون بناء واحدا قائما لا تتداعى لبناته فيهوى ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم قال في أمته : « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » « 1 » . وأوجب الإسلام على المسلم أن يعين أخاه المسلم في شدته وكربته ، فقال : « من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته » « 2 » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه » « 3 » ومع ذلك فعلنا الكثير نحن المسلمين في عصرنا ، وهو امتداد لعصور قبلنا من العصر العباسي الثاني إلى اليوم ، سفكنا دماءنا بأيدينا لهوى الملوك ، وفساد الحكام ، فكانت الحرب بين المسلمين شديدة لحيّة ، وصار كل فريق يرى في الآخر عدوه الذي ينتهز الفرص للقضاء عليه ، وصار بعضهم يغرى أعداء الإسلام من الوثنيين وغيرهم بالمسلمين ، حتى وقعوا بالمسلمين وحاربوهم حرب إفناء .
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : كتاب الأدب ( 5552 ) ومسلم : كتاب البر والصلة ( 4685 ) واللفظ له ، عن النعمان بن بشير رضى اللّه عنه .
( 2 ) عن عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته ، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج اللّه عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره اللّه يوم القيامة » . [ متفق عليه ؛ أخرجه البخاري : كتاب المظالم والغصب ( 2262 ) ، ومسلم : كتاب البر والصلة ( 4677 ) ] .
( 3 ) انظر السابق . وروى أحمد عن ابن عمر أنّ النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله » ، ويقول : « والّذى نفس محمّد بيده ما توادّ اثنان ففرّق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما » ، وكان يقول : « للمرء المسلم على أخيه من المعروف ستّ : يشمّته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، وينصحه إذا غاب ، ويشهده ويسلّم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، ويتبعه إذا مات ، ونهى عن هجرة المسلم أخاه فوق ثلاث » [ مسند المكثرين ( 5103 ) ] .