ومن الغريب أنهم كانوا يتقاتلون غير متأثمين ، ولا متحرجين من أن يقتل بعضهم بعضا ، ويخرج فريق الآخر من داره ومع ذلك إذا وقع أحدهم في أسر من أي الفريقين فادوه ؛ ولذا قال تعالى :
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ
إنهم يظاهرون على إخوانهم بالإثم والعدوان ، ومع ذلك إذا جاءوكم مأسورين دفعتم فديتهم لتفكوا عانيهم ، للذين كانوا سببا في أسرهم ، وشدّوا الوثاق عليهم ، فلو أن الفريق الذي تحاربون معه أسر أسرى من اليهود الذين يعاونون خصمه ، وجاء إليكم هؤلاء الأسرى فإنكم تدفعون فديتهم لحليفكم الذي أسرهم ، وهذا غريب متناقض . . أولا : لأنكم جعلتموهم مقاتلين وسفكتم دماءهم وقتلتموهم فكيف تحمون حريتهم وأنتم الذين أخرجتموهم للقتال بسبب مناصرتكم لحلفائهم ، ومناصرتهم لحلفائهم ؛ ولذلك يقول تعالى تنديدا بحالهم وتناقضهم :
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ
.
ومعنى
تُفادُوهُمْ
أي تدفعون دياتهم ؛ لأن فدى ويفادى تدل على أحد معنيين إما أخذ الفدية ممن يدفعها أو دفعها ، وتفسر هنا بمعنى دفعها ؛ لأنه المناسب للمقام من حيث وقوعهم في التناقض في أوامر دينهم وميثاقهم فهم قد أخرجوا إخوانهم للقتال ومع ذلك إذا وقعوا في الأسر قدموا فديتهم اعتمادا على نص عندهم يقول : ( إذا رأيت أخاك الآخر مملوكا فأخرجه من رقه ) وبالتالي إذا رآه مأسورا أخرجه من أسره وإنه كان عليه ألا يكون سببا في إخراجه ، وإنه محرم عليه إخراجه فلا يكون سبب الرق لذا قال تعالى :
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ
والحال والحكم الثابت المبين أنه محرم عليكم أن تخرجوهم ، فإذا كان محرما عليكم ألا تتركوهم أسرى ، فإنه من المحرم عليكم قبل ذلك ألا تخرجوهم فيكون ذلك سبب الأسر .
ولذلك قال تعالى مستنكرا حالهم :
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
الفاء للإفصاح عن شرط مقدر ، تقديره إذا كانت هذه حالكم فأنتم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، والهمزة للاستفهام قدمت على الفاء لأن الاستفهام له الصدارة دائما .