تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
إنساني سليم يعم الإقليم والجنس والناس أجمعين فقال تعالى :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
وقوله تعالى :
وَقُولُوا
معطوف على لا تعبدون إلا الله ، لأنها مرادف هذا الميثاق الإنسانى الذي أخذ على بني إسرائيل ، وهو يحمل في نفسه موجب تنفيذه ، لأنه حقيقة الدين ، وهو في أعلى درجات المعاملات ، فهل استجابوا وأقروا به ، وقد أخذ عليهم بقوة ، ورفع الجبل فوقهم ليخضعوا للحق ويذعنوا له ؟ إنهم أعرضوا عنه ؛ ولذا قال تعالى في حالهم بعد أخذه عليهم :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
( 83 ) . التولي الإعراض الذي تدل عليه مظاهر حسّية ، ومنه قوله تعالى :
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ . . .
( 83 ) [ الإسراء ] فالأصل فيه أنه إعراض يدل عليه مظهر حسى ، وقوله تعالى :
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
معناه أنهم تولوا بأجسامهم ونأوا عنه بحسهم ، والمعنى أنهم معرضون مقاطعون لمبادئه وهذا تأكيد للإعراض وأنهم تركوه جملة وتفصيلا من غير أن يقبلوا منه شيئا ، وقد أكد سبحانه الإعراض بالتصريح بالإعراض مع أن التولي يتضمن معناه ، وأكده بالجملة الاسمية ، أي أنه مع أنه ميثاق مؤكد ، ومعناه قويم ترتضيه العقول وتطلبه - أعرضوا عنه . والخطاب للذين كانوا في عهد محمد صلى اللّه عليه وسلم ومن سبقوهم ؛ لأنهم شاركوهم في ملتهم ، واتبعوهم في توليهم ، فكانوا صالحين لأن يخاطبوا بما خوطب به أسلافهم ، وبيان حالهم وأمرهم . وإن الله تعالى حكم عدل يحصى عمل الفاسدين ، ويسجل خير الأخيار ؛ ولذلك استثنى في الإعراض فقال :
إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
فهم استجابوا لمقتضى الميثاق ولم يعرضوا وكان الحكم بالتولى ابتداء عليهم جميعا ، ثم استثنى سبحانه الذين استجابوا ولكن لقتلهم كان الخطاب لهم جميعا . وقوله تعالى :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ
التعبير بثم في موضعه من البعد بين الميثاق وما اشتمل عليه من أمور معقولة مطلوبة في حكم الشرع والعقل ، ثم يكون من بعد ذلك الإعراض الجافي الشديد منكم ، إنه لأمر غريب لو كان من غيرهم .
زهرة التفاسير — صفحة 293 | محمد أبو زهرة