منهم ، وعبر الله تعالى عن ذلك بقوله :
لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
بصيغة الخبر الدالة على النهى وعبر عن التقاتل بينهم بقوله :
لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
فنسب السفك المنهى عنه إليهم والدماء إليهم للإشارة إلى الفعل ليعود على جميعهم بسفك الدماء ، وإهدار الأنفس ، لأنه إذا كان القاتل والمقتول من أسرة واحدة ، فقد قتلت نفسها ، وسفكت دمها ، وأهدرت أهلها .
ومنع سبحانه وتعالى أن يخرج بعضهم من دياره ، وعبر عن ذلك المنع بقوله تعالى :
وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
فالخبر هنا في معنى النهى عن ذلك ، والتعبير عن إخراج البعض بأنه إخراج لأنفسهم بيان الاجتماع على أن يكونوا أمة واحدة متآزرة بحيث تكون إصابة عضو منها إصابة لجميعها ، فإخراج بعضهم لبعض إخراج لكلهم إذ يفرق جمعهم ، ولأنه يطمع فيهم أعداؤهم ، فيخرجهم جميعا ، فإخراج بعضهم يسهل إخراج كلهم .
وإن هذا الميثاق قد أخذه الله تعالى عليهم وأقروا به وشهدوه ؛ ولذا قال تعالى موثقا ذلك الميثاق بقوله تعالى :
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
( 84 ) أي أنتم الحاضرون أقررتم ما أخذ على أسلافكم من هذا الميثاق ، وأنتم تشهدون مؤمنين بصدقه .
وكان الخطاب في الإقرار والشهادة للذين عاصروا النبي صلى اللّه عليه وسلم لأنهم الذين نقضوا العهد ظاهرا ، وهم الذين سفكوا دماءهم ، وهم الذين أخرجوا فريقا منهم ، وإن كان الاحتمال بأن ذلك حصل من بعضهم في الماضي ليس ببعيد فقد تشابه في مخالفة الميثاق الخلف مع السلف ، وهم جميعا في إثم مبين ، وعدوان ظاهر .
وإذا كان ذلك الميثاق حفظا لوحدتهم ولجمعهم فقد نقضوه ، وقتل بعضهم بعضا ، وأخرج فريق منهم الآخر من داره ، ولقد قال تعالى في ذلك :
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ
العطف هنا بثم للبعد المعنوي بين الميثاق الذي أخذ عليهم وأقروه بألسنتهم وشهدوا عليه بقلوبهم ، وبين الحال التي وجدوا فيها من أنهم قتلوا أنفسهم بأن تقاتلوا فيما بينهم سواء أكان قتالهم لأنفسهم