نفسه باتهام الآخر ، فالادّراء أو التدارؤ ، أن يدفع كل فريق التهمة عن النفس ، ويتهم الآخر .
وكل منهم يعلم الواقع ، ولكن يقرر غيره ؛ ولذلك قال تعالى :
وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
( 72 ) أي من الحق ، ومؤدى ذلك أنهم عالمون فيما بينهم من القاتل ولكن يجهّلون الأمر ، ولكن الله تعالى كاشف الأمر .
فالمفسرون جملة يقولون : الضمير في بعضها ، في قوله تعالى :
اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
أي ببعض البقرة ، وإن ضربهم للمقتول ببعض البقرة ، يحييه الله تعالى فيخبر عمن قتله ، ويعرف القاتل ، وقصة البقرة سيقت لبيان إحياء الله تعالى الموتى في وسط قوم ينكرون البعث والنشور ؛ ولذلك قال تعالى بعد ذلك :
كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
أي كذلك الإحياء الذي شاهدتموه عيانا ، إذ كان ميتا فأحياه الله تعالى ؛ أي مثل ذلك الإحياء الجزئي الذي شاهدتموه وعاينتموه يحيى سبحانه وتعالى الأجسام بعد موتها ، ويكون النشور ثم تقوم القيامة .
ويقول سبحانه وتعالى :
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( 73 ) أي رجاء منكم لأن تعقلوا وتدركوا الأمور على وجهها ، وعلى هذا التفسير يكون المقصود أن الأمر بالذبح لكي يضرب ببعضها الميت فيحيا ، وإن هذا يقتضى أن يقدم خبر الإحياء والضرب ببعضها على الأمر بالذبح .
وقد أجاب عن ذلك الزمخشري بأن التأخير يفيد بأن في الخبر أمرين عجيبين ، وأن كليهما يصلح أن يكون قصة قائمة بذاته ، فالأولى المراوغة في الطاعة ، والثانية إظهار الأمر الخارق للعادة ، في إحياء الميت بضربه ببعض بقرة ، ولقد قال في ذلك :
إن كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدا لما وجد منهم من الخطايا ، وتقريعا لهم عليها ، ولما جدّد فيهم من الآيات العظام ، وهاتان قصتان كل واحدة منهما خصت بنوع من التقريع ، وإن كانتا متصلتين متحدتين ، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء ، وترك المسارعة إلى الامتثال ، وما يتبع ذلك ، والثانية