وكان حقا عليهم أن يطيعوا بعد ذلك فقد بين لهم كل شئ ، والفاء للإفصاح ولكن لجاجتهم لم تنته عند ذلك ، وهم يريدون أن يراوغوا وأن يثيروا الجدل عساهم يفلتون من إجابة الأمر .
قالوا مجادلين مراوغين :
ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
أي يبين اللون الذي يريدها أهي الصفراء أم السوداء ، أم الخليط من ذلك ، ولقد بين سيدنا موسى اللون ، فقال :
إِنَّهُ يَقُولُ
مسندا القول لرب العالمين :
إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
( 69 ) الصفراء هي ما فيها لون الصفرة ، ومعنى فاقع لونها أي خالص صاف له بريق ولمعان ، ولذلك يسر الناظرين ، أي تتلقاه الأنظر بالسرور ، وكأن هذه كانت أوصاف العجل الذي كان المصريون يعبدونه ، وكان يجب عليهم بعد ذلك أن يفعلوا ما أمروا غير متلومين ، ولا متحيرين ولكنهم أثاروا بعد ذلك ما يفيد حيرتهم ، ولا حيرة في ذات الموضوع إنما الحيرة في نفوسهم الملتوية التي سرى إليها تقديس البقرة .
قالوا كأنهم متحيرون :
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا
وإن التشابه من عقولهم ، لا من الجهل في ذلك قالوا :
ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
( 70 ) كان هذا التساؤل المستمر كاشفا لسوء نيتهم وعدم رغبتهم في الطاعة ، وقد تكشف أمرهم فستروه مظهرين رجاءهم في الهداية وكان ذلك بقولهم :
وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
أكدوا رغبتهم في الهداية بالجملة الاسمية ، وب « أنّ » وب « لام » التوكيد ، والمشيئة الربانية ، ومع ذلك كان سؤالهم عن الماهية ، ولكن عدل في الإجابة إلى الأسلوب الحكيم ، وهو بيان أنها ليست ذلولا معدة لحراثة ولا لسقاية الزرع ، بل هي فارغة عن عمل ؛ ولذا قال موسى في الرد :
إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها
.
أوصاف يشترط وجودها ليكون ذبحها سائغا جائزا :
أولها : أنها ليست ذلولا أي ليست مذللة لعمل معين بل هي مطلقة ترعى في الكلأ ، لا رقابة عليها ، ولا سلطان لأحد .