تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
بتقوى الله تعالى قلوبهم ، وتغلب عليهم مخافة ربهم فلا يعصوه ، ويبادروا إلى طاعته ، ولذلك قال تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 63 ) أي ترجون التقوى والخوف منه . ولكن كان هذا الميثاق الذي وثقه تعالى بأمر حسى ، لأنهم لا يعتبرون إلا بالمحسوسات مؤديا إلى أن يتقوه سبحانه بل إنهم تلقوا أمرا موثقا ذلك التوثيق ، مؤكدا ذلك التوكيد ، ولكنهم كعادتهم في استهانتهم بأمر الله ونهيه نسوه وتولوا عنه معرضين ؛ ولذلك قال تعالى :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
التولي هو الإعراض ، وأصله الإدبار ، وأن يجعل جسمه موليا وجه من يطالبه بقول أو عمل ، والمعنى أنهم أعرضوا إعراضا شديدا واضحا ، كمن يعرض عن القول بتولية جسمه ، واتجاهه في اتجاه غير اتجاه من يواجهه بالقول ، ومعنى ذلك أنهم جعلوا الله وميثاقه وراءهم ، ودبر آذانهم . والتعبير هنا ب « ثم » التي تدل على التراخي للإشارة إلى البعد عن الميثاق وموجبه ، وعملهم المناقض لأمر الله تعالى ، والإشارة فيها بالبعيد في قوله تعالى :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
لبيان بعد عملهم ، عن الميثاق الذي أمرهم سبحانه وتعالى أن يأخذوه بقوة ، وأن يذكروه دائما وأن يكون في وعيهم في كل أحوالهم . وإن ذلك التولي كان بالإعراض عما جاء في التوراة أو الألواح العشرة التي أخذوها بقوة ، وطولبوا بذكرها دائما ليمكنهم أن يعملوا بها ، وقد قال القفال الشاسي بعض ما تولوا به عن التوراة فقال : وإنهم بعد قبول التوراة ، ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة فحرفوا كلمها عن مواضعه ، وتركوا العمل بها ، وقتلوا الأنبياء ، بعد أن كفروا بهم ، وعصوا أمرهم ، ومنه ما عمله أوائلهم ، ومنه ما فعله متأخروهم ، ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم لأعاجيب البلاء يخالفون موسى ويعترضون عليه ، ويلقونه بكل أذى ، ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك ، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم ، وعوقبوا بالطاعون ، ثم نقل متأخروهم ما لا خفاء فيه ، حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس ، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله .