بأن أضلوها عن الحق ، ونوره ساطع بينهم إذ قد قامت لديهم البراهين على قدرة الله تعالى في ضرب البحر بعصا موسى ، وانشقاقه ، وفي نجاتهم من الذل ، وظلموا أنفسهم بأن أعادوا إليها عهد الذل والضلال باتخاذهم العجل ، كما كان يفعل الذين أذلوها ، وظلموا أنفسهم بكفرهم بالله تعالى ، وضلوا ضلالا بعيدا .
هذه خطيئة ارتكبوها ، ولا يكفرها إلا توبة نصوح يقرمون بها ، وقد بيّن لهم موسى الطريق للتوبة النصوح أو حقيقة التوبة النصوح ، فقال تعالى :
فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
الفاء في قوله تعالى :
فَتُوبُوا
هي فاء الإفصاح التي تفصح عن شرط مقدر ، أي إذا كنتم قد ضللتم هذا الضلال وظلمتم أنفسكم ذلك الظلم فتوبوا إلى بارئكم أي فارجعوا إلى الله تعالى الذي خلقكم على غير مثال سبق ، ومعنى « برأ » أبدع وأنشأ وجودكم ، والتوبة رجوع إلى الحق ، والتعبير ببارئكم يؤكد معنى ظلمهم لأنفسهم ، لأنهم تركوا من خلقهم إلى ما خلقوه بأيديهم ، وصنعوه تحت نظرهم ، ولا يضرهم ، ولا ينفعهم .
والطريق الذي بينه موسى هو قوله :
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
أي فابخعوها واجعلوها مطية ذلولا للعقل والإرادة ، واقطعوا شهواتها ، والتعبير عن ذلك بقتل النفس ، لأن النفس الفاجرة الضالة إذا فطمت عن الشهوات كأنها قتلت ، وحلت محلها النفس الطاهرة اللوامة التي تقهر الشهوات قهرا ، والشرور دائما من الأهواء والشهوات ، وقد جاء في الأمثال عند أهل المعرفة : « من لم يعذب نفسه لم ينفعها ، ومن لم يقتلها لم يحفظها » وتعذيب النفس الذي يريده أهل المعرفة هو فطمها عن الشهوات .
وقد أخذت الكثرة من المفسرين بظاهر اللفظ وهو القتل ، ورووا في ذلك روايات عن بعض الصحابة لم يصح سندها ، وبالأولى لم يصح كلام في نسبته إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم .
واستعمال القتل والبخع بالنسبة للنفوس ، وإرادة غير الظاهر كثير في كلام العرب ، وفي القرآن كقوله تعالى :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) [ الشعراء ] .