تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وهنا نجده سبحانه وتعالى عبر بالعفو ، ولم يعبر بالغفران وقبول التوبة ، وذلك لأن العفو يكون عما وقع بجهالة ، وهم كانوا في حال جهالة ، لتأثرهم بما كان عند المصريين من عادات جاهلية ، ولأنهم خرجوا من ذل المعاصي إلى عزة الحق ، فكان العفو أدنى إليهم ، لأنهم كانوا في فتنة . وقوله من بعد ذلك الكفران ، والفتنة التي أضلتهم ، فالإشارة إلى البعيد ، لبعد ما ارتكبوا عن موجب العفو الذي نالوه ، فهم كفروا كفرانا مبينا ، ولكن التوبة تجبّ ما قبلها ، ولم يكن الخطاب بالجمع لأن فتنة العجل لم تكن منهم أجمعين ، بخلاف ما كان يسومهم به فرعون وآله من عذاب ، فقد كان يعمهم ، ولا يخص فريقا . وقوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
، لعل هنا للرجاء ، والرجاء هنا من العبيد لا من الله ، والمعنى : عفونا عنكم لتكون حالكم حال الرجاء لشكر الله تعالى ، فالرجاء لأمر يقع أو لا يقع إنما هو من شأن الناس ، ولا يمكن أن يكون من الله تعالى الذي يعلم ما يقع وما لا يقع ، ولا يغيب عن علمه شئ في الأرض ، ولا في السماء ، والله سميع عليم . أو يكون الرجاء من الله تعالى ، ويكون بمعنى الأمر ، كما يقول السيد لخادمه فعلت معك كذا وكذا رجاء أن تعترف بالجميل ، وتشكر لي حسن صنيعي ، فهذا يكون حثا على فعل الجميل ، بذكر موجبه ، وعلى هذا المعنى تكون
لَعَلَّكُمْ
في مقام التعليل لوجوب الشكر ، وتكون بمعنى : لكي تشكروا ، إن كنتم لا تكفرون بالنعمة ، ولكن تشكرونها . وبعد أن بين الله تعالى أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم ، مع عظيم ما ارتكبوا ، وأنه سبحانه يدعوهم إلى شكره ، وأن حالهم حال من يوجب على نفسه الشكر ، بعد ذلك ذكر الله تعالى أنهم قد صاروا في منزلة ليست كمنزلة فرعون وقومه ، وآله الذين ناصروه ، ومالئوه في كفره ، ولم يرشدوه أو يوجهوه إلى طريق الهداية ؛ لأنهم ببعث