ومعنى لنحرقنه أي نحكه ونبرده ثم بعد برده لننسفنه في اليم نسفا ، وذلك كقولهم حرّق الأرّم « 1 » أي حكها حكا شديدا .
هذا خبر عبادتهم العجل ، وكيف كانت وذلك لتأثرهم طريق المصريين ، وسلوكهم طريق الأوهام التي سلكوها . وقوله : واعدنا موسى أربعين ليلة فيها قراءتان : إحداهما ( وعدنا موسى ) ، والقراءة الأخرى : (
واعَدْنا مُوسى
) ، وإن المواعدة لا تكون إلا بين طرفين ، وذلك بعيد عن الله تعالى ، ولذا قيل إن معنى واعدنا ليس المفاعلة التي تكون بين طرفين ، بل معناها وعدنا ، وقد تستعمل : صيغة فاعل في غير معنى المفاعلة ، كقولهم داويت العليل ، وعالجت المريض ، وعاقبت المجرم .
وعندي أن المواعدة على معناها وهي من الله الوعد ، ومن موسى التلقي والاستجابة وإنجاز ما وعد الله .
توالت نعمة الله تعالى ، ولكنهم فتنوا بما كان عليه المصريون الأقوياء ، وكانوا هم الضعفاء ، والضعيف دائما مأخوذ بتقليد القوى ، فسرى ما عند الأقوياء ، وهم قوم فرعون إلى الضعفاء ، وكانوا يشعرون بالمذلة والاستكانة ، وشعروا من بعد بأنهم ذلوا ، فتابوا وتاب الله تعالى عليهم وعفا عنهم ، وعدّ الله تعالى ذلك عليهم نعمة ، فقال تعالى :
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
.
أي أن هذه الجريمة الكبرى ، وهي الإشراك بالله تعالى ما كانت لتغفر ، ولكن الله تعالى عفا عنها ، والتعبير هنا بثم الدالة على التراخي والبعد ، لبيان بعد ما كان منهم عن أن ينالوا من بعده عفو الله تعالى ، ولكنه سبحانه وتعالى توّاب رحيم وسعت رحمته كل شئ ما دام التوبة قد حصلت .
هامش
( 1 ) حرّق الحديد حرقا : برده ، يقال : حرقه بالمبرد . ويقال : هو يحرّق عليه الأرّم : يحك أضراسه بعضها ببعض من الغيظ . [ الوسيط - أرم - ح ر ق ] .