تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
ذلك دلالة قاطعة ، فإن التعبير بثم يدل على الترتيب البياني في الذكر ولا يدل على الترتيب الواقعي ، فإن الآيات قد تدل على غيره ، وإنا نقرر أن الزمن لا يحكم أفعال الله تعالى ؛ فكما أنه تعالى لا يكون في مكان ، فأفعاله تعالى فوق الأزمان . ولقد جاء النص الكريم بأن الأرض أخذت من السماء ، وكانتا رتقا ، أو شيئا واحدا ، كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
( 30 ) [ الأنبياء ] . ولقد قال تعالى في بيان خلق السماء والأرض :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
( 12 ) [ فصلت ] . وقد يقال : أنك نفيت الزمان عن أفعال الله تعالى ، وقد ذكر سبحانه أنه خلق الأرض في يومين ، وأنه جعلها على ما هي عليه في أربعة أيام ، وأنه قضى السماوات في يومين ، فكيف تنفى الزمان عن خالق الزمان والليل والنهار ؟ ونقول في جواب ذلك : إن اليوم ليس هو اليوم الذي نعده بالغروب والشروق بأن تدور الأرض حول الشمس دورة تبتدئ بشروق الشمس ، وتنته بغروبها أو العكس ، فإن ذلك تقدير نسبى بين الأرض والشمس ، وما كانتا قد خلقتا ، كما يدل صريح القرآن ، إنما اليوم هنا المراد به الدور التكويني ، وإذا أردنا أن نتصور الدور التكويني ، فإننا نتصور على ضوء العلم أن الأرض انفصلت عن الكتلة الشمسية التي أشار إليها سبحانه وتعالى في قوله :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما . . .
( 30 ) [ الأنبياء ] فهذا يوم ، أي دور تكويني ، هو دور انفصال الأرض عن الكتلة الشمسية .