وهذا لا يستلزم أن يكون التكليف قائما على الاستحسان أو الاستهجان ، إنما التكليف من أمر الله ونهيه .
الكلمة الثانية - أن قوله تعالى :
جَمِيعاً
متعلقة بما في الأرض أي أنه جميعه لكم معشر الناس ، فليس لكم بعضه دون بعضه ، بل هو لكم كله ، لأجلكم ، تنعمون به ، وتعبدون الله تعالى على آلائه ، فهو يؤدى إلى أن تكون هذه الملكية التي منحها الله تعالى لكم لتشكروها ، ولتعبدوه بهذا الشكر ، كقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات ] .
ولا يتبادر إلى الذهن أنها تأكيد لقوله تعالى :
لَكُمْ
. أي أن الله تعالى خلق الأشياء لكم جميعا ، فلا ينفرد قبيل دون قبيل ، ولا جماعة دون جماعة ، ولا قوم دون قوم ، ولا غنى دون فقير .
وإننا لا نرى ذلك - أولا : لأن ذلك بعيد في اللفظ لأن التأكيد يكون للقريب ، والقريب هنا هو ما في الأرض كله للناس ، يتخيرون منه ، ولا يطلبون خبيثه ، فلا يؤكد اللفظ إلا ما يقترن به من القول ، فلا يفصل بين المؤكّد والمؤكّد ، وعلى أي حال فإنه بمقتضى عموم قوله تعالى :
لَكُمْ
أن الخلق لكم كلكم ، وهذه الكلية التي تعم الناس أجمعين ثابتة بعموم الخطاب ، لا بلفظ
جَمِيعاً
.
وليس معنى أن ما في الأرض لهم كلهم ، أن يتقاسموه ، وأن يأخذوا الخير جميعهم مقسما ، من غير تمييز بين عامل وخامل ، ولا بين موفق وغير موفق ، إنما لكل امرئ عمله ، ولكل امرئ ما كسب .
ولا تقتضى الكلية أن يتساوى الناس في أرزاقهم ، فإن الرزق يمنحه الله تعالى لمن يعمل ويكسب ، ولكن يتساوى الناس في تمكينهم من الأرض ، وكلّ وما يكسبه ، والله هو الغنى الحميد .