ونقول في الجواب عن ذلك : إن الموت لا يقتضى وجود حياة سابقة ، بل يطلق على الجماد ذاته ، فيقال : أرض موات ، وأرض ميتة ، وإحياؤها يكون بوجود الغيث وإنباتها النبات بإذن الله تعالى ، كما قال تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
( 33 ) [ يس ] ، وقال تعالى :
رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
( 11 ) [ ق ] .
فقوله تعالى :
كُنْتُمْ أَمْواتاً
، أي كنتم لا حياة فيكم فأحياكم فخلق التراب ثم أنشأكم منه ، فأحياكم فأفاض عليكم بالحياة ، وهم قبل هذا الإحياء لم يكونوا شيئا مذكورا كما قال تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
( 1 ) [ الإنسان ] وقوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
خطاب لهم بالانتقال من الغيبة إلى الخطاب ، وهو دال على أن ذلك يعلمونه بالعيان والحس ، لا بمجرد التصور والتفكر ،
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
و
ثُمَّ
هنا للتراخى ؛ لأنه بعد الإحياء يعيش أجلا محدودا ، ثم يموت ، و
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ
( 38 ) [ الرعد ] ،
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بالبعث والنشور ، ثم تكون القيامة ، ثم إليه سبحانه ترجعون ، وذلك هو مدلول قوله تعالى في آية أخرى :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا . . .
( 11 ) [ غافر ] ، وإنه كما ذكرنا أخذ من الواقع الذي يحسونه ، دليلا على وقوع ما ينتظرهم ، وينتظرونه ، وهو البعث ، فإذا كان سبحانه وتعالى أنشأ من العدم حياة ثم سلبها ، فإنه قادر على إعادتها ، ولكنهم يؤمنون بالحس وحده ، ولا يؤمنون بالغيب الذي لا يحسّون .
قوله تعالى :
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
وثم هنا للتراخى ؛ أي بعد أن يقضوا حياتهم ، ويموتوا ويدفنوا في قبورهم يرجعون ليحاسبهم على ما قدموا من عمل ، فإن خيرا فخير ، وإن شرا فالعذاب .
وتقديم
إِلَيْهِ
على
تُرْجَعُونَ
للإشارة إلى أنه وحده هو الذي إليه يرجعون ، لا إلى آلهتهم التي يتوهمون بأوهامهم فيها قدرة ، ولا قدرة ، فالرجوع إليه سبحانه وتعالى .