الصفة الأولى - نقض عهد الله تعالى من بعد ميثاقه ، والنقض فك ما أبرمه الشخص ووثقه وأكده من بناء أو وثيقة أو عهد ، وإن الميثاق الذي يعقد بين الناس يوثقه بيمين الله تعالى ؛ ولذلك يسمى اليمين ، ويقول تعالى :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها . . .
( 91 ) [ النحل ] ويسمى عهد الله تعالى ؛ لأنه إذا أكده بيمين فكأنه عاهد الله تعالى على الوفاء بها ، وعدم النكث فيها فكأنه عاهد الله تعالى .
و
مِيثاقِهِ
معناه كما أشرنا العهد الموثق باليمين . وما المراد بالميثاق الذي نقضوه ؟ قال بعض العلماء ونحن ، نوافقهم ، أنه ميثاق الفطرة الإنسانية ، فقد خلق الله الناس ، وأخذ منهم ميثاقهم بمقتضى الفطرة بالعبودية لله رب العالمين ، كما قال تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
( 173 ) [ الأعراف ] .
وإن أولئك الفاسقين الذين خرجوا على الفطرة قد نقضوا ذلك العهد التكويني الذي كون الله تعالى بني آدم على أساسه ؛ ولذلك يقول ابن حزم ، ومعه بعض العلماء ، إن معرفة الله بدهية لذوي العقول المستقيمة المدركة . وكانت الرسالة للتذكير بهذه الفطرة ، وإيقاظها ، إذا غفلت ، ولحسابها إذا نبهت ولم تنتبه ؛ ولذلك قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
( 24 ) [ فاطر ] ، وقال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
( 15 ) [ الإسراء ] .
هذا معنى واضح جيد مستقيم تؤيده نصوص الكتاب الحكيم ، ولكن مع ذلك قد يراد نقض العهود الموثقة بالأيمان وعدم الوفاء بالمواثيق التي تنظم العلاقات بين الناس آحادا وجماعات ؛ لأن ذلك من سمات الكفر ، وخصوصا الذي يصحبه نفاق ، وقد وصف الله سبحانه وتعالى الكفار بذلك في أكثر من آية ، فقال تعالى :