تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وإن أولئك المؤمنين سلمت مداركهم ، واستقامت عقولهم ، فأدركوا معنى الحقيقة ، فكلما جاء ما يؤكدها ويبينها ازدادوا هداية ، وساروا على الجدد ، وأما الآخرون فهم يخرجون عن سنن الفطرة ، وما يوجه إليه الإدراك الصحيح ؛ ولذلك قال تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
أي الخارجين عما توجبه الفطرة ، الذين شاهت عقولهم ، وانعكست الحقائق أمامها ، فصاروا يدركون الأمور عكس حقيقتها . والفاسق في أصل معناه اللغوي الخارج عن الطاعة ، ويقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها ، ويقال للفأرة فويسقة لخروجها من جحرها للفساد ، ويطلق على الحشرات والمؤذيات فواسق ، ولقد روى عن عائشة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الحدأة ، والغراب ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور » « 1 » . والفاسق في هذه الآية هو الكافر سواء أكان يجمع الكفر والنفاق أم يكون كافرا من غير نفاق ؛ وذلك لأنه خرج عن مقتضى الفطرة ، والعقل المستقيم ، فهو قد كفر بالله ورسوله ، وبالأوامر والنواهي ، وإنها دين الفطرة ، كما قال تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 30 ) [ الروم ] . ولقد بين تعالى أولئك الفاسقين الخارجين عن سنن الفطرة ، فقال :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
. ذكر الله تعالى أوصافا ثلاثة هي التي تتقطع بها أوصال الجماعة الإنسانية ، ويكون بها التدابر ، وأن يكون بها ابن الإنسان على أخيه الإنسان أشد من الوحوش ، وأقسى من كل ما في الوجود :
هامش
( 1 ) رواه بهذا اللفظ النسائي : مناسك الحج - قتل الحدأة في الحرم ( 2841 ) ، وهو متفق عليه ؛ أخرجه بنحوه البخاري : بدأ الخلق - خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم ( 3314 ) ، ومسلم : الحج - ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ( 1198 ) . عن عائشة رضى اللّه عنها .
زهرة التفاسير — صفحة 179 | محمد أبو زهرة