سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم » .
والتجاوز عن المسئ يكون بالعفو عنه ، فإن التجاوز هو الصفح .
وعلى ذلك فإنّ التعزير يجوز العفو فيه ويجوز تخفيف العقوبة ، غير أن ذلك إنما هو للخليفة . أما القاضي فإنه ينظر فيه فإن حدد له الخليفة أدنى حد من العقوبة فإنه لا يجوز له أن يعفو ، إذ لا يجوز له أن يعاقب بأقل من الحد الأدنى الذي عينه له الخليفة ، وإن لم يعين له أدنى حد فإن له كالخليفة أن يعفو وأن يخفف العقوبة .
والمخالفات كالتعزير بالنسبة للعفو ، ويجري فيها ما يجري في التعزير في موضوع العفو من غير فرق بينهما .
هذا كله في الجريمة إذا رفعت إلى القاضي ولم يحكم بها بعد .
أما إن حكم بها فإنه لا يجوز العفو فيها ، إلا في الجنايات إذا عفا صاحب الحق . أما عدم جواز العفو بعد الحكم فإنه في الحدود ظاهر لأنه عفو في الحد ، فهو عام سواء قبل الحكم أو بعده . وأما في الجنايات إذا لم يعف صاحب الحق فلأنها كالحدود حق اللّه تعالى ، ولا فرق في ذلك قبل الحكم أو بعده . وأما في التعزير والمخالفات فلأن حكم القاضي إذا تم فقد ألزم به كافة المسلمين ، ولا يحل نقضه ولا إلغاؤه ولا تغييره ولا تخفيفه مطلقا . لأن الحكم متى نطق به القاضي لا يرفع مطلقا ، والعفو نقض للحكم ولذلك لا يصح . وأما استثناء الجنايات إذا عفا صاحب الحق فلأن النصوص التي وردت فيها عامة . قال اللّه تعالى :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ .
وقال عز وجل :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى .
وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده اللّه تعالى بها عزّا » « 1 » . وهذا عام يشمل ما قبل الحكم وما بعده ، ولذلك يستثنى بصريح النص ، وما عداه فلا عفو بعد الحكم ولا بوجه من الوجوه .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه .