وأما التعزير فإنّ تقدير عقوبته متروك إلى الخليفة وإلى القاضي باعتباره نائبا عن الخليفة . وللخليفة أن يخفف العقوبة ، وله أن يعفو ، وليس فرضا عليه أن يوقع العقوبة . والدليل على ذلك ما رواه أحمد عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال : « أتى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رجل فقال : يا رسول اللّه ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها ، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه منها ، غير أنه لم يجامعها . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« توضأ ثم صلّ » . فهذا رجل ارتكب حراما وأقرّ أمام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومع ذلك لم يعاقبه وعفا عنه ولعلّ إقراره كان نوعا من التوبة حتى كان له ذاك العفو . وفي رواية بقوله : « توضأ وصل » وفي رواية أخرى قال له :
« أصليت معنا ؟ » قال : نعم ، فتلا عليه « إن الحسنات يذهبن السيئات » « 1 » . كذلك فإن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يعاقب معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف ، وكان من المنافقين ، الذي قال له : « إن هذه لقسمة ما أريد فيها وجه اللّه » « 2 » . وكذلك لم يعاقب صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قال له في حكم حكم به للزبير : « وإن كان ابن عمتك » . مع أن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غضب منه . وهذا دليل على أن الحاكم إذا رفعت له قضية من قضايا التعزير فإن له أن يعفو عن المجرم .
وكذلك للحاكم أن يخفف العقوبة وأن يجعلها أدنى حد . فعن السيدة عائشة أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود » « 3 » . وأقال عثرته : ساعده على النهوض من كبوته . وهذا يعني أن مساعدته إما أن تكون بالعفو عنه ، وإما بالتخفيف عنه . وعن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « الأنصار كرشي وعيبتي والناس
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ؛ ولأحمد ومسلم من حديث أبي أمامة نحوه ( نيل الأوطار : 7 / 100 ) .
( 2 ) رواه أحمد والشيخان عن ابن مسعود ( نيل الأوطار : 7 / 290 ) .
( 3 ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن السيدة عائشة ( نيل الأوطار : 7 / 135 ) .