كرامة الإنسان وعدم إيقاع الأذى به ، وإيقاع عقوبة معينة عليه يحتاج إلى دليل يجيز ذلك ، وما لم يقم الدليل على جواز عقوبة بعينها فلا يجوز إيقاعها .
ولا يقال : إنّ التعزير قد جعل الحاكم مطلقا دون قيد فله أن يعزّر بالعقوبة التي يراها . لا ، لا يقال ذلك ، لأنّ الشارع قد عيّن أنواع العقوبات وجعل القاضي مقيدا بها فلا يحل له أن يعاقب بغيرها ، ولكن له أن يختار منها ما يراه زاجرا .
وعليه فإنه يجب على الحاكم حين يوقع عقوبة التعزير أن يتقيد بالأحكام الشرعية ، فلا يعاقب إلا بالعقوبات التي جاء الشارع بها .
ومن هنا لا يجوز للحاكم أن يوقع عقوبة المصادرة ، لأنه لم يرد نص شرعي بجواز العقوبة بها . ولا يقال : إن المصادرة هي كالغرامة ، لأنها عقوبة مالية ، إذ هي من جنس الغرامة ، لا يقال ذلك لأن المصادرة غير الغرامة ، إذ الغرامة دفع مال جزاء على ذنب ، وأما المصادرة فهي أخذ عين المال الذي جرى بسببه الذنب ، فهذه غير تلك . وأيضا فإنّ النصّ الشرعي لم يكن نصّا على عقوبات مالية حتى يقال هذه عقوبة مالية تدخل تحت نص الشرع ، وإنما نص على الغرامة ، وعلى تغيير المال ، وعلى إتلاف المال ، ولم ينص على المصادرة ، فيوقف عند حدود النص ، ولا يقاس عليه . وهذا بخلاف ما أورد بعض الفقهاء من أن « مصادرة السلطان لأرباب الأموال لا تجوز إلا لعمال بيت المال ، على أن يردها لبيت المال » « 1 » . إلّا أنّ تملك الدولة المال الخاص للمنفعة العامة ، جائز بعد التعويض على صاحب الملك تعويضا عادلا ، وهو ما يعرف بالاستملاك .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي الجزء الثالث ، باب الديات .