فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى له أم لا . والذي نفس محمد بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تبعر » . ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه : ألا هل بلغت ثلاثا » « 1 » . ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخبر أنّ من يأخذ من الأموال العامة ، ومن يأخذ هدية لأنه وال أو عامل ، سيعاقبه اللّه عز وجل يوم القيامة بفضيحته ، حيث يأتي يحمل ما أخذه من مال . وهذا يعني فضيحة الولاة على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم . فيكون التشهير مما يعذب به اللّه تعالى . ولم يرد نص أنه خاص بعذاب اللّه سبحانه وتعالى كما ورد في العذاب بالنار ، فيجوز للحاكم أن يعاقب المذنب بالتشهير به . والحديث دليل على جواز التعزير بالتشهير .
وقد سار الصحابة على ذلك فعزروا بالتشهير . فقد نقل عن عمر بن الخطاب أنه كان يشهّر بشاهد الزور بأن يطاف به . كما نقل عن مشهوري القضاة أنهم كانوا يحكمون بالتشهير . ومنهم القاضي « شريح » على عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وعلي بن أبي طالب عليه السّلام . وهو من مشاهير القضاة ، وكان يحكم بالتشهير .
هذه هي أنواع عقوبات التعزير التي ورد في الشرع دليل على جواز أن يعاقب بها الحاكم . وما عداها من العقوبات لا يجوز للحاكم أن يوقع عقوبة بها ولو لم يرد نص من الشارع في النهي عنها . ذلك لأن العقوبة فعل فلا بد من دليل على جوازه . ولا يقال : لا بد من دليل على منعه من الحكم بعقوبات معينة ، لا يقال ذلك لأن الأصل هو عدم العقوبة ، فصدور الحكم بعقوبة معينة هو الذي يحتاج إلى دليل . أما أنّ الأصل عدم العقوبة فذلك أنّ الدليل العام قد قام على
هامش
( 1 ) صحيح مسلم الجزء الثالث الأمارة رقم ( 1832 ) .