مواساة بين الأحبة وقد استغنى كلّ بنفسه ، فلا يسأل جار عن جاره ، ولا صديق عن صديقه ، ويتبجح كلّ بنفسه ، وأين النّاس من قول الإمام الشّافعي رحمه اللّه :
وتركي مواساة الأخلاء بالذي * حوته يدي ظلم لهم وعقوق
وإني لأستحي من اللّه أن أرى * بحالي اتساعا والصّديق مضيق
وقد صار الأصدقاء كما وصفهم القائل :
كم من صديق مظهر نصحه * وفكره وقف على عثرتك
إياك أن تقربه أنه * عون مع الدّهر على كربتك
ولهذا قال علي كرم اللّه وجهه لابنه الحسن إياك ومصاحبة الفاجر ، فإنه يبيعك بالتافه ، وإياك ومصادقة الكذاب ، فإنه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عنك القريب ، وهؤلاء إخوان هذا الزّمن ، فلا حول ولا قوة إلّا باللّه القائل
« وَمِنْهُمْ »
الّذين يظهرون خلاف ما يبطنون
« مَنْ عاهَدَ اللَّهَ »
أمام رسوله وأكد ميثاقه بالقسم فقال
« لَئِنْ آتانا »
اللّه تعالى شيئا
« مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ »
منه بما فضل عن حاجتنا في طرق الخير والبر
« وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ »
( 75 ) فيه بأن نخرج صدقة كاملة عن طيب نفس ولا نبخل بما يمن به علينا
« فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ »
كلّه فلم يعطوا منه شيئا حتى الزكاة المعروفة ، ونقضوا عهدهم الموثق بالأيمان ونكثوه ولم يوفوا بشيء منه
« وَتَوَلَّوْا »
عن طاعة اللّه ورسوله
« وَهُمْ مُعْرِضُونَ »
( 76 ) عنهما ولم يلتفتوا إلى تعاليمهما ولهذا
« فَأَعْقَبَهُمْ »
اللّه
« نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ »
بأن ورثهم البخل ومكّنه فيهم وجعله مستمرا ثابتا فيها
« إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ »
في الآخرة وحرمهم من التوبة
« بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ »
من التصدق إذا أغناهم وقد وفى اللّه تعالى وهم نكثوا به
« وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ »
( 77 ) في قولهم لحضرة الرّسول ووعدهم له بالتصدق والصّلاح قال تعالى
« أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ »
مع بعضهم من الطّعن بحضرة الرّسول وقولهم فيما بينهم سرا ما الصّدقة إلّا أخت الجزية أو هي غرامة وضعها علينا
« وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
( 78 ) لا يخفى عليه شيء مما أسروه وأعلنوه ، ومن هؤلاء المنافقين ضرب آخر وهم
« الَّذِينَ يَلْمِزُونَ »