هذا ، وقد أضاف اللّه تعالى ما فعله آباؤهم إليهم لرضاهم به ، والراضي بالشيء كفاعله ، ولأنهم أنفسهم مصرون على ما فعله أسلافهم بيحيى وعيسى ومحبذون له . قال تعالى
« وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ »
حينما ذهب لميقات ربه ليأتيكم بالتوراة
« وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ »
( 92 ) كرره تأكيدا لإيقاع الحجة عليهم وتبكيتا بهم وتقريعا
« وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ »
وقلنا لكم
« خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ »
كرره أيضا لتلك الغاية بزيادة قوله
« وَاسْمَعُوا »
سماع قبول وطاعة لما تؤمرون به . ونظير هاتين الآيتين الآيتان المارتين 51 و 67 . قال تعالى حاكيا عنادهم
« قالُوا سَمِعْنا »
قولك
« وَعَصَيْنا »
أمرك ولولا مخافة هبوط الجبل علينا لما سجدنا
« وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ »
بأن تداخل حبه وتغلغل في قلوبهم فاندمج فيها ، والأصل حب العجل وقد حذف إيجازا والحذف في مثله كثير في القرآن لأنه من أنواع البديع ، وعبر بالشرب لأن من أراد حصر الحب أو البغض استعار له اسم الشراب لأنه أبلغ مساغا في البدن ، ولهذا قال الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية .
وكان شدة حبهم العجل
« بِكُفْرِهِمْ »
بسببه حرصا على عبادته
« قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ »
الذي تزعمونه إشارة إلى قولهم
( نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا )
والمخصوص بالذم ما تقدم من قولهم
( سَمِعْنا وَعَصَيْنا )
وعبادة العجل ، وفي إسناد الأمر إلى الإيمان تهكم بهم ، وفي إضافة الإيمان إليهم إيذان بأنه ليس بإيمان حقيقة ينبئ عنه قوله جل قوله
« إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
( 93 ) لأن حرف
( إِنْ )
يؤذن بالشك ويدل على عدم الوقوع غالبا وهو تكذيب لهم من اللّه بدعواهم الإيمان ، أي لو كنتم مؤمنين ما فعلتم
« قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ »
كما تزعمون وهذا إشارة لقولهم
( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى )
في الآية 111 الآتية ، ولقولهم
( نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )
الآية 21 من المائدة الآتية بما يدل على أنهما نزلنا قبل هذه الآيات ، أي إذا كنتم كما تزعمون من خلوص الدار الباقية لكم
« فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
( 94 ) لأن من علم أن الجنة مأواه أحب الإسراع إليها تخلصا