وأنفسكم الناس ، فانظري لحالك أين جمالك ، أين زخارفك ، أين قصورك أين أين ؟
فلم يزل يعدد لها ويذكرها عزها الذي كانت فيه حتى صاحت صيحة أظهرت فيها جزعها وضجرها ، وقالت له ما العمل ؟ قال خذي هذه السخلة وقولي لزوجك يذبحها لي وهو يبرأ مما فيه وتخلصين من هذا الحال ويعود إليك جمالك وعزك وما ذهب منك ، فاستمالها الملعون بذلك وأذعنت لقوله ظانة أنه ناصح لها وأنه يرجع لها ما ذكر ، فأخذت السخلة منه وذكرت لأيوب ما وقع لها وكلفته أن يذبحها لإبليس لأنه هو الذي نفخ فيك فأصابك ما أصابك ، قال لها ويلك أغراك عدو اللّه أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والجمال والعز والصحة ، أليست هي من اللّه ؟ قالت نعم ، قال كم متعنا به ، قالت ثمانون سنة ، فقال لها كم لك في البلاء ، قالت سبع سنين وأشهر ، قال لها ويلك ما أنصفت ربك ، ألا صبرت على البلاء ثمانين كما كنت في الرخاء والنعم ، واللّه لئن شفاني اللّه لأجلدنك مائة جلدة ، تأمريني أذبح لعدو اللّه اذهبي ، طعامك وشرابك عليّ حرام ، فذهبت تبكي ، وبقي أيوب صابرا ما شاء اللّه أن يصبر بلا زاد ولا ماء ولا صديق ولا أحد ، فخرّ ساجدا للّه تعالى ، وقال ( ربّ إني
مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )
وبين عليه السلام في دعائه هذا افتقاره إلى ربه فقط إذ لم يقل ارحمني ، وإن أكثر أسئلة الأنبياء ربهم على سبيل التعريض لا على طريق الطلب ، لأن حياءهم منه يحول دون طلبهم ، قال المتنبي في هذا المعنى :
وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي بيان عندها وخطاب
وذلك أن الأنبياء عليهم السلام تحققوا أن كل شيء كان أو يكون مسبوق بالإرادة ، والإرادة مسبوقة بالعلم ، والعلم تابع المعلوم فيتعلق به على ما هو عليه ، في ثبوته غير المجهول مما يقتضيه استعداده الأزلي ، ثم بعد أن خلق الخلق على حسب ذلك كلفهم استخراج سرّ ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والإباء اللذين في استعدادهم الأزلي ، ولذلك أرسل الرسل إليهم مبشرين ومنذرين لتتحرك الدواعي فيهم فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بيّنة ، ولئلا يكون للناس على اللّه حجة ، فلا يتوجه عليه اعتراض بخلق الكافر ، وإنما يتوجه الاعتراض على الكافر