عليه السلام بصورة معلمهم ، لأنه كان عليه اللعنة كلما فعل شيئا يذهب إلى أيوب بصفة الرجل الذي يناسب ذلك الفعل ، ففي تلف الإبل والغنم ذهب بصورة راعيها ، وفي تلف الأشجار والزروع والثمار بصورة ساقيها ، وهكذا ، فقال يا أيوب وهو يبكي ليحرك حزنه لو رأيت كيف نكسوا على رؤوسهم وسالت دماؤهم وتقطعت أمعاؤهم لتقطع قلبك ألما عليهم ، فقال من هم ؟ قال كل أولادك وأخبره خبرهم ، وقال قد شقت بطونهم وكسرت رؤوسهم وتناثرت أدمغتهم ، وكذا وكذا ، ولم يزل يصفهم ويقول له بتحرق وتأسف إلى أن رأى التأثر بدا بوجهه عليه السلام طفق يصف له مزاياهم ويعظم فظاعة ما حل بهم حتى رق قلبه عليه السلام ، فاغتنم إبليس لعنه اللّه هذه الفرصة وذهب يعرض لربه جزعه ، فتنبه أيوب واستغفر ربه حالا وصعدت توبته قبل أن يبثّ إبليس ما عنده ، فخسئ إبليس وذل ، ولما رأى ذلك قال يا رب إنما هان عليه المال والولد ما متعته بنفسه فإنك تعبد له ما فقده من مال وولد ونشب فهل أنت مسلطني على جسده ، فسلطه اللّه على جسده عدا لسانه وقلبه وعقله ، فانقض زاعما أنه فاز ببغيته ، فأتى إليه مسرعا ونفخ في منخريه فاعتراه مرض في جميع جسده ما بين العظم والجلد استدام معه سبع سنين وبضعة أشهر وهو صابر لا يشكو ، وتفرقت عنه الناس ، وجاء أصحابه المؤمنون وأشاروا عليه بأن يدعو ربه بكشف ضره فأعرض عنهم وأنبهم على ما رأى من ضجرهم ، وقال إن اللّه تعالى عافانا سنين كثيرة ومتعنا بكل نعمه الحاضرة ، أفلا نصبر على بلائه بمقدار معافاته على الأقل وأطال عليهم الكلام بخطبة بليغة مؤثرة حتى انفضوا عنه ، ولم يبق ممن يراجعه إلا زوجته رحمة بنت افرائيم بن يوسف عليه السلام ، وصارت تأتيه بطعامه وشرابه ، فلما رأى اللعين خيبة سعيه ومداومة أيوب على ذكر اللّه تعالى وحمده وشكره صرخ صرخة فاجتمعت إليه الشياطين من كل جانب وقالوا له ما دهاك قال أعياني هذا الرجل ، وحكى لهم قصته معه ، فقالوا له هل أتيته من المكان الذي جئت به آدم حين أخرجته من الجنة ؟ قال أصبتم ، فذهب إلى زوجته وقال لها أين بعلك ذلك الذي كنت ترين ، أين أولادك الذين كنت تباهين ، أين مالك الذي كنت تفاخرين ؟ قد ذهب عنك كل ذلك وتباعدت عنكم أصدقاؤكم
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 324
مساهمون: السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
ص٣٢٤