تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
العجماء جبار ولم يقيده بليل ولا نهار ، وقد أخذ أبو حنيفة بهذا ولم يقض بالضمان أصلا ، وأخذ الشافعي بالحديث المشار إليه على التفصيل الذي فيه ، وكان حكم داود عليه السلام وابنه بالاجتهاد ، ولأنه لو كان بالنص لما جاز لسليمان الاعتراض عليه ، ولا لداود الرجوع عنه ، وان اللّه تعالى حمد هذا لصوابه ، وأثنى على الآخر باجتهاده . قال الحسن : لولا هذه الآيات لهلك الحكام . روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال صلّى اللّه عليه وسلم إذا حكم الحاكم باجتهاده فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر . وهناك من قال إن حكمهما كان بالنص ، إلا أن الآخر نسخ الأول وفيه ما فيه فضلا عن أنه يوجب عدم جواز الاجتهاد للأنبياء ، لأن سليمان لم يتنبأ بعد لينزل عليه شرع ، يدل عليه قوله تعالى
« فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ »
أي قضية الحكم بطريق الإلهام ، وإنما ركن داود لحكم سليمان ، لأنه رآه موافقا وأرفق من حكمه بحق الطرفين ، ولأنه علم حذاقته قبل هذه ، وذلك على ما قالوا إن امرأة تبتّلت واستغرقت أوقاتها بالعبادة ، وكان لها جاريتان جميلتان ، قالت إحداهما للأخرى قد طال علينا البلاء ، لأن هذه لا تريد الرجال ، وإننا بشر فلو فضحناها لرجمت وخلصنا منها ، فصرنا إلى الرجال من بعدها ، فأخذنا ماء أبيض ونضحتاه على سوأتها وهي تصلي ، وخرجنا إلى داود عليه السلام فقالتا له إنها قد بغت ، وكان حد الزنى عنده الرجم ، فرفعت إلى داود والماء لأبيض في ثيابها ، فسألها فأنكرت ، وسألها عن الماء ، فقالت لا أدري لعله ماء أبيض أو شيء مفتعل ، فأراد رجمها ، فقال سليمان ائتوني بنار ، فإنه إن كان ماء أبيض اجتمع ، وإن كان ماء الرجل تفرق ، فأتي بنار فوضعها عليه فاجتمع فدرأ عنها الحد ، وهذا من ذكائه عليه السلام وحدة فطنته . ولهذا البحث صلة بعد الآية الآتية . قال تعالى
« وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ »
يسبحن أيضا ويسرن معه حيث سار وهذا هو تسخيرها
« وَكُنَّا فاعِلِينَ »
79 أمثال هذه المعجزات لأنبيائنا ومن شأننا أن نفعل أكثر من ذلك فليس ببدع منا وإن كان بديعا وعجيبا عندكم أيها الناس
« وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ »
دروع من حديد بدليل قوله
« لِتُحْصِنَكُمْ
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 319 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني