« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ »
أي يوم تقوم القيامة المعبر عنها بالغاشية ، ان وجوه أصحابها
« خاشِعَةٌ »
2 ذليلة خاضعة ، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكل ، وهذه الوجوه التي تشاهد على غاية من الهوان فرءوس أهلها
« عامِلَةٌ ناصِبَةٌ »
3 دائبة على العمل في نار جهنم تعبة من مشقة الأعمال وشدة العذاب التي تلاقيه ذلك اليوم جزاء عملها في الدنيا وتوغلها في الترف والرّفاه ، فكما كانت تعمل في الدنيا لغير اللّه فإنها تعمل في الآخرة لقاءه في نار جهنم عملا تكل منه الجبال ، فطورا تجر بالسلاسل والأغلال وتارة تخوض بالنار كما تخوض الإبل في الوحل ، ومرة ترقى صعودا بأعالي جهنم وتهبط منه ، وبذلك كله فإنها
« تَصْلى ناراً حامِيَةً »
4 لأنها في سوائها وإذا عطشت فإنها
« تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ »
5 متناهية في الحرارة ، قال تعالى
( وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ )
الآية 16 من سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلم في ج 3 ، وإذا سألت عن طعامهم فيها أيها الإنسان فإنهم
« لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ »
فيها
« إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ »
6 هو يابس الشبرق شوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ، فإذا يبس تحاشته لأنه سم قاتل ، قال أبو ذؤيب :
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى * وصار ضريعا بان عنه النحائص
وقال ابن غرازة الهذلي يذم سوء مرعى إبله :
وحبسن في هزم الضريع فكلها * حدباء دامية اليدين حرود
أي أن طعامهم فيها يشبه هذا النبات الخبيث ، وشرابهم ما علمت ، وليس سواء ، فبينهما كما بين نارنا ونار جهنم . قال المشركون لما سمعوا هذه الآية إن إبلنا لتسمن على الضريع استهزاء وسخرية ، لأن الإبل لا تأكله أبدا ولا يسمى ضريعا إلا بعد يبسه لأنه ما دام أخضر يسمى شبرقا ، فكذبهم اللّه بقوله
« لا يُسْمِنُ »
الضريع الدابة أبدا
« وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ »
7 البتة لأنه لا يؤكل حتى يشبع ، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى
( إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ )
الآية 27 من الحاقة الآتية ، لأن للنار دركات لكل دركة نوع من العذاب ويكون على قدر الذنب العقاب ، فمنهم طعامهم الزقوم ، ومنهم ذو الغصة ، ومنهم الضريع ، ومنهم الغسلين ، كما سيأتي أجارنا اللّه من ذلك كله ، وهذا ما وصف اللّه به أهل النار ، وهاك