تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
صنيعهم معه بقوله عز قوله
« أَ تَواصَوْا بِهِ »
أي هل وصى بعضهم بعضا بهذه الألفاظ الدالة على التكذيب والإهانة للرسل حتى تناقلوها جيلا بعد جيل ، كلا
« بَلْ هُمْ »
أنفسهم
« قَوْمٌ طاغُونَ »
53 حملهم بغيهم على ذلك وتشابهت قلوبهم فوقرت وملئت من كراهية الحق فنطقت بتلك الألفاظ كما تكلم بها أسلافهم لا أنهم تواصوا بها ، لأنه إذا توجد التواصي من القوم بعضهم لبعض كقوم نوح عليه السلام إذ طال أمده فيهم فصاروا يوصي بعضهم بعضا بعدم طاعته لأنه ساحر إلخ ، فلا يوجد من الأقوام الماضية لغيرهم ، إذ أن عذاب الاستئصال الذي أوقعه بهم يحول دون ذلك ، لعدم بقاء من ينقل ما وقع منهم ، ولهذا جاء القول علي طريق الاستفهام الإنكاري والتعجب من اتفاقهم على كلمات : ساحر كاهن مجنون مختلق شاعر متعلم وغيرها ، والأشنع من هذا توغلهم كلهم بالطغيان على أنفسهم وغيرهم وخاصة الأنبياء ، ومن كان كذلك لا جرم يصدر منه كل قبيح ، وإذ كان قومك يا سيد الرسل من هذا القبيل
« فَتَوَلَّ عَنْهُمْ »
واتركهم ولا يهمنك شأنهم
« فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ »
54 على عدم إيمانهم ، لأنك بلغت وأنذرت وبذلت جهدك في نصحهم ، فما عليك أن لا يؤمنوا ، فحزن صلّى اللّه عليه وسلم عند نزول هذه الآية وظن أصحابه أن الوحي انتهى وأن العذاب قرب أو ان نزوله ، فأنزل بعدها
« وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ »
55 الذين هم في علم اللّه تعالى أنهم يؤمنون ، فيؤمنون وتزيد المؤمنين إيمانا ، فسري عنه صلّى اللّه عليه وسلم وابتهج أصحابه ، وفرحوا بذلك وقرت أعينهم وطابت نفوسهم وقوي أمله صلّى اللّه عليه وسلم ، وصار يبالغ في إرشادهم ونصحهم وتذكيرهم . قال تعالى
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
56 ويوحدوني ويعرفوني أني ربهم وخالقهم ومحييهم ومميتهم
« ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ »
يرزقونه أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم أيضا ، لأني أنا الكفيل بأرزاق الخلق كلهم
« وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ »
57 أسند جل شأنه الإطعام لذاته الكريمة ، والمراد عياله الفقراء ، لأن من أطعمهم لأجله فكأنما أطعمه ، وإلا فهو المنزه عن الطعام والشراب ، وكل ما هو من صفات المخلوقين وحوائجهم . والآية تبين أن شأنه جل شأنه مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم ، لأنهم
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 154 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني