تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
يملكونهم للاستفادة منهم ، واللّه مالكهم ليعبدوه لأنه خلقهم لعبادته فقط وليعلموا استحقاقه العبادة ويعملوا بما يوصلهم إليه ، وقد صح في حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : إن اللّه عزّ وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما علمت لو أنك عدته لوجدتني عنده ، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ، قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علمت أن فلانا استطعمك فلم تطعمه ، أما علمت لو أنك أطعمته لوجدت ذلك عندي ، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقي ، قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علمت أن عبدي فلانا استسقاك فلم تسقه ، أما علمت لو أنك أسقيته لوجدت ذلك عندي . أخرجه مسلم ، والمعنى أن اللّه تعالى يقول إني خلقت العباد للعبادة ليعلموا أنهم مخلوقون لها ، وأنه تعالى غير محتاج لهم ولا لعبادتهم ولا يريد الاستعانة منهم كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم لمصالحهم ، لأن اللّه غني عن كل خلقه
« إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ »
لهم جميعا وأن الترازق الذي يجري بينهم لبعضهم بتسخيره وتقديره وجعله الأسباب مرتبة على المسببات ، وإلا فكل يأخذ رزقه الذي قدره له اللّه ،
« ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ »
58 الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله تعب ولا نصب ولا مشقة ، فيوصل أرزاق عباده إليهم ولو لم يطلبوها أو يعملوا لأجلها
« فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا »
من كفار مكة الذين أفنوا عمرهم بغير ما خلقوا له وأشركوا به غيره في الدنيا
« ذَنُوباً »
حظا وافيا ونصيبا ضافيا من العذاب يوم القيامة
« مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ »
الكفار من الأمم الماضية الهالكة قبلهم
« فَلا تَسْتَعْجِلُونِ »
59 بإنزاله فليترقبوا وليتربصوا له رويدا فهو نازل بهم لا محالة إن أصروا على ظلمهم وحينئذ يطلبون تأخيره فلا يمهلون لحظة واحدة ، وفي هذه الجملة تهديد عظيم لهؤلاء الكفار لو عقلوه . واعلم أن استعمال الذنوب بفتح الذال بمعنى الحظ والنصيب شائع في العربية ، قال علقمة بن عبد التيميّ يمدح الحارث بن أبي شمر الغساني وكان أسر أخاه شاسا :
وفي كل حي قد ضبطت بنعمة * فحق لشأس من نداك ذنوب