تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩

مطلب في الإبل وما ينبغي أن يعتبر به ، والتحاشي عن نقل ما يكذبه العامة :

وبعد أن وصف اللّه النار والجنة وأهلهما التفت إلى عباده حدثا لهم على الاعتبار في بعض مخلوقاته التي هي بين أيديهم ومسخرة لهم ، فقال جل قوله
« أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ »
7 والإبل جمع لا واحد له من لفظه ومفردها جمل وبعير وناقة وقعود ، ويجمع الجمل على جمال ، والبعير على أباعر وأبعر وبعران ، والقعود على قعدان ، والناقة على نياق ونوق ، وإنما خص الإبل لأنها من أنفس أموال العرب إذ ذاك وحتى الآن عند أهل البادية ، وأعزّها عليهم ، ولها مكانة عندهم حتى أنهم يتفاخرون فيها ، ولم يروا قبل أعظم منها للركوب والحمل والأكل ، ولهم فيها منافع كثيرة ، وذلك أنهم أنكروا ما وصفه اللّه من الجنة والنار وأهلهما فذكرهم اللّه بهذا النوع من مخلوقاته العجيبة الصنع المذللة لهم ، مع أنها أقوى منهم ليعلموا أن الذي خلقها قادر على خلق ما وصف في الجنة والنار ليسترشدوا بذلك . هذا وان الفيل مما يعرفونه أيضا وهو أقوى من الإبل ، إلا أنه لا منافع فيه مثل ما في الإبل ولم يطلعوا عليه كلهم ، ولأنه لا يؤكل ، ولا لبن له ولا صوف ، وليس بلين الجانب كالإبل تقودها الأولاد وتعقلها المرأة ، وتقنى للزينة والتجارة والركوب والدر ، وتحمل الأثقال وفيها خواص لا توجد بغيرها ، كاحتمالها العطش والمشاق في السفر ، وتحمّل وهي باركة ، وترعى من النبات ما لا يرعاه غيرها ، والفيل خلو من هذه الصفات ، وقد اخترع القبان منها بالنظر لسرتها وطول عنقها ، ولها ميزة في خلقها وتركيب أعضائها وتأثرها بالصوت الحسن حتى أنها قد تؤدي بحياتها من شدة طيّها المسافة البعيدة عند سماعها الحداء ، ولها من الشفقة على أولادها ما لم يوجد عند غيرها ، كما أن عندها من الحقد ما يقابل ذلك على من يعتدي عليها عند هيجانها اى الذكور منها ، وقد ذكرنا ما يتعلق في بحثها في الآيتين 138 / 143 من سورة الأنعام المارة فراجعهما . وإنما ذكّرهم اللّه تعالى ببعض نعمه عليهم ، لأن المراد منه التذكر في دلائل توحيده وبراهين قدرته وأمارات صنعه مما يرون ويعلمون ، أما مخلوقاته الأخرى الموجودة في ذلك الزمن والتي وجدت الآن وما ستوجد بعد فهي وإن كانت أعظم في الاستدلال إلا أن ضرب المثل بما هو موجود