المتعفف الذي لا يسال بدليل قرنه بالسائل ، ولهذا نبه اللّه عليه ، لأن الناس غالبا لا يعطون إلا من يسأل ولا يكادون يعطون المتعفف لظنهم أنه مكتف ، ولكن اللّه تعالى ذمّ الذين لا يعرفونهم إذ يجب على الأغنياء تفقد أمثالهم لأن التصدق عليهم أفضل منها على غيرهم ، وقد جاء بالخبر : اختاروا لصدقاتكم كما تختارون لنطفكم ، قال تعالى
( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
. . .
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً )
الآية 271 من البقرة في ج 3 فقد جعل جل شأنه الذين لا يتفقدون المتعففين جهلاء ليتقضوا لذلك ويرفعوا عنهم وصمة الجهل وليتعظ الذين يريدون وجه اللّه في صدقاتهم ، وإنما خص الأسحار بالاستغفار لأنها في ثلث الليل الأخير وهو وقت مبارك فيه يطلع اللّه تعالى على عباده وهو وقت غفلة أكثر الناس ، ولهذا فإن العارفين سارعوا إلى التهجد فيه ، لأنهم يعرفون ما فيه ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير ، فيقول من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ . ولمسلم قال : فيقول أنا الملك أنا الملك ، وذكر الحديثين ، وفيه حتى يضيء الفجر ، وزاد في رواية من يقرضني غير عديم ولا ظلوم ؟ يريد نفسه تقدست وعلت . فما لكم أيها الناس معرضون عن التعرض لهذه النفحات القدسية والرحمات الرحموتية ، فهلموا إليها اغتنموها ولا تضيعوا أوقاتكم سدى وتهملوا أنفسكم فيفوتكم هذا الخير في هذا الوقت فهو مظنة القبول ، والإجابة إذا صحت النية وخلصت من الأهواء وكانت الرغبة إلى اللّه متوفرة ، وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، وقولك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والنبيون حق ، ومحمد حق ، والساعة حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله