تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
انطوى عليه جسمه من البراهين الدالة على الخالق إذ ليس في العالم من شيء إلا وفي ذات الإنسان له نظير ، وذلك مثل انفراده في هذه الهيئة النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة ، والتمكن من الأفعال البديعة واستنباط الصنائع المختلفة ، واستجماع الكمالات المتنوعة ، واختياره على سائر الحيوانات بالنطق واعتدال القامة ، وكما أن الاختلاف في الأرض والمياه والحيوان والطير والحوت والحشرات فكذلك هو الإنسان ، فمنه الأسود ومنه الأحمر والأبيض والأصفر وما بين ذلك ، ومنه الاختلاف في المأكل والمشرب والملبس والمنام ، ومنه اختلاف الألسنة والصور والألوان والطبائع ، فمنها ما هو من أصل واحد ، ومنها ما هو من أصول متنوعة ، ومنها ما هو موافق للحيوان بسبيل الطعام ومجرى الشراب ومخرجهما ، وقد بيّنا مراتب خلق الإنسان في الآيتين 64 / 67 من سورة المؤمن ، فراجعهما واعتبر وتيقظ . ويكفي على عظمة الخالق وكمال قدرته خلق أصلك من تراب وأنت من نطفة فعلقة فمضغة فلحم ودم وعظم ، ثم روح وحركة وكلام وسمع وبصر وعقل وشباب وكهولة وشيخوخة وهرم ، وكذلك في الغذاء فمنه موافق لغذاء الحيوان كالخضراوات والحبوب واللحم ، ومنها ما هو مباين كالتبن والشوك والحشيش وغيره . واعلم أن اللّه تعالى جمع في الإنسان ما لم يجمعه في الحيوان ، لأن الحيوان الذي يأكل اللحم لا يأكل النبات والذي يأكل النبات لا يأكل اللحم غالبا ، والإنسان يأكلهما معا ، وجمع فيه ما لم يجمعه في الملائكة ، ولا في الحيوان ، لأن الملك له عقل بلا شهوة ، والحيوان له شهوة بلا عقل ، والإنسان جامع لهما ، فسبحان من أودع في كل خلقه عظات لا تحصى وعبرا لا تستقصى ، وللّه در القائل :
دواؤك منك ولا تشعر * وداؤك فيك ولا تبصر
وتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر

مطلب في الرزق وأنواعه وحكاية الأصمعي ، وفي ضيف إبراهيم عليه السلام :

قال تعالى
« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ »
22 به مقدر عند اللّه تعالى على تعاطي الأسباب ، فقد يكون عفوا وبتسخير الغير ، قال تعالى
( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ )
الآية 2 / 3 من سورة الطلاق