تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
واجتنب المنهيات كلها ، لأن اجتناب المنهيات أحسن عند اللّه من فعل المأمورات ، ولهذا جاءته القاعدة الشرعية درء المفاسد مقدّم على جلب المنافع ، راجع الحديث المار في الآية 39 ، واعلم أنه كما أن المأمور به منها محبوب فالسيئ
« عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً »
38 مبغوضا ، فعليك أن تتّقي كل ما يكرهه اللّه ، وتفعل ما يحبه . واعلم أن لا مجال لما تمسك به بعضهم في هذه الآية من أن القبائح لا تتعلق بها إرادة اللّه تعالى ، لان المراد بالمكروه هنا ما يقابل المرضيّ كما ذكرنا ، لا ما يقابل المراد ، لقيام القاطع على أن الحوادث كلها واقعة بإرادته تعالى ، وإلّا لاجتمع الضدان الإرادة والكراهة كما يزعمه بعض المعتزلة ، ووصف ذلك بمطلق الكراهة ، مع أن أكثره من الكبائر للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده تعالى كافية في وجوب الكف عنها ، ولهذا كان المكروه عند المتقين الكاملين مثل الحرام في لزوم الاحتراز عنه ، ومن لم يعرفه تعدّى إلى دائرة الإباحة ، فتدبر وتحفظ وتأدب تنج وتسلم وتربح
« ذلِكَ »
المقدّم تفصيله لك أيها المتدبر المتفكّر العارف
« مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ »
من بعض ما أنزله
« رَبُّكَ »
يا سيد الرسل
« مِنَ الْحِكْمَةِ »
التي هي أسّ علم الشرائع ومعرفة ذات الخالق والاحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد إلى آخر الدوران
« وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ »
افتراء عليه إياك إياك ، احذر من هذا أيها العاقل كل الحذر ، فهو أكبر أنواع الكفر ، ولهذا صدّرت الآيات الثماني عشرة بمثل ما ختمت للعلم بأن التوحيد مبدأ الأمر وآخره ، ورأس كل حكمة ومنتهاها ، وملاك كل أمر وعمدته ، وقد رتّب عليه أولا ما هو غاية الشرك في الدنيا ، إذ ختم تلك الآية بقوله
( فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا )
ورتّب آخرا على هذه الآية ما هو نتيجته في العقبى ، وختمها بقوله
« فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً »
من نفسك وغيرك
« مَدْحُوراً »
39 مبعدا من رحمة اللّه لأنه كفر ما وراءه كفر ، والفرق بين المذموم والملوم هو أن الذي يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر مذموم ، والملوم هو الذي يقال له لم فعلت مثل هذا وما الذي حملك عليه ، وما استفدت منه إلا ضرر نفسك ، ويعلم من هذا أن الندم يكون أولا واللوم آخرا ، والفرق بين المخذول والمدحور هو أن المخذول من لم يعنه أحد وقد فوض