تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
وهذا تهكم في كل مختال شديد الفرح بنفسه كثير المرح على غيره ، إذ يمشي مرة على أعقابه وأخرى على رؤوس أصابعه ، وتارة يتمايل ، وطورا يتبختر بقصد تعالي نفسه الواطئة ، فمالك وهذا أيها الإنسان ، تواضع لأنك دون ذلك وكن كما قال أبو الحسن علي بن خروف :
تنزه عن الدنيا وكن متواضعا * عفيفا ولا تسحب ذيولا من الكبر
إذا كنت في الدنيا حليف تكبر * فإنك في الأخرى أقل من الذر
واعلم أن قوتك مهما كانت فلن تقابل قوة الأرض ولا جثتك عظم الجبال ، ومن هو أضعف من هذين الجمادين لا يليق به أن يتكبر ، كان صلّى اللّه عليه وسلم إذا مشى يتكفأ تكفؤا أي تمايل إلى قدام كأنما ينحط من صيب ، أي ينحدر من مكان عال فيحصر نظره قدامه ، ومن هنا جعل السادة الصوفية العارفون النظر عند المشي إلى القدم شرطا من شروطهم حتى لا يرى شيئا من أحوال الناس ، ومن أحوالهم بارك اللّه فيهم قولهم إذا دخلت فادخل أعمى وإذا خرجت فأخرج أخرس ، وهذا هو الحكم الشرعي في المشي . ومن السنّة أن يمشي بجانب الطريق ويتجنب التضييق على المارة ، ويغض بصره عن عورات الناس ، ويعرض عنهم ، ويوسع لهم ما استطاع ، ويزيل الأذى عن الطريق من كل ما يوجب العثار والزلق ، ويسلم على الناس ويقابلهم ببشاشة الوجه ، والأحسن أن لا يجاوز نظره محل قدمه ، وينذر الغافل والأعمى والصغير عن الوقوع في حفرة وشبهها ، ويحذرهم من المرور تحت جدار مائل ، ومن حية وعقرب وكلب كلب أو عقور أو جمل هائم أو رجل صائل أو سقف هائر ، وبالجملة من كل ما يترقب الأذى منه أو يتوقع الضرر منه مادة ومعنى . وهذا كلّه من حق المسلم على المسلم والمعاهد والذمّي في حكم المسلم من هذه الجهات لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : لهم ما لنا وعليهم ما علينا . قال تعالى
« كُلُّ ذلِكَ »
من - ولا تجعل إلى آخر هذه الآية -
« كانَ سَيِّئُهُ »
المنهي عنه من ذلك ، وهو أربع عشرة خصلة ، والمأمور به وهو إحدى عشرة خصلة ، ثلاث مستترة وثمانية ظاهرة ، فيكون المجموع المشار إليها بقوله ذلك خمس وعشرين خصلة ، فتدبرها لأنا أوضحناها لك فتح اللّه علينا وعليك ، فإذا علمتها فافعل المأمورات ما استطعت ،