تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
من المثلات بأسباب نقلت عنهم ، فنكل عنها احترازا عن مثله من الجزاء ، ولا غرو أن الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في المعلول كما بيناه في المطلب الرابع من المقدمة فراجعه ، ومن أراد التفصيل فعليه بكتب الأصول ، هذا وإن الأحكام المثبتة بالأقيسة كلية معتبرة في وقائع كلية مضبوطة ، وإن التمسك بالآية تمسك بعام مخصوص وهو لا يفيد إلا الظن ، تأمل قوله تعالى
« إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا »
36 أي أن هذه القوى الثلاث المشار إليها في هذه الآية الكريمة كسائر الجوارح الأخر من كل إنسان مستجمع لها يسأل يوم القيامة عما اقترفتها ، فالبصر يسأل عما أبصره ، والسمع عما سمع ، والقلب ما ذا وعى ووقر فيه ، وهكذا اليد والرجل والفم ، أو أن اللّه تعالى يسأل هذه الجوارح نفسها عن صاحبها هل استعملها فيما خلقت له بأن استعمل النظر في كتاب اللّه وآلائه ومكنوناته ، والسمع في سماع القرآن والذكر والكلم الطيب ، والفؤاد هل وقر فيه النصح للمسلمين وحبهم والحميّة لهم ، أم لا بأن استعملها على العكس فصرف نظره للمحارم ، وسمعه للغيبة وقول السوء ، وقلبه للحقد والغل والحسد للناس ، واليد للبطش بغير حق ، والرجل للمشي إلى ما لا يرضي اللّه وما أشبه ذلك . هذا وقد أشار اللّه تعالى إلى هذه الجوارح بإشارة العقلاء على القول بأنها مختصة بهم تنزيلا لها منزلتهم ، لأنها مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها . وقال بعضهم إنها غالبة في العقلاء ، وجاءت لغيرهم من حيث أنهم اسم جمع ( لذا ) أي لفظ أولئك اسم جمع لذا وهو أي ذا يعم القبيلين من يعقل ومن لا يعقل ومن ذلك قول جرير :
ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام
مطلب ما يجب أن تبادر به الناس والوصايا العشر وغيرها : قال تعالى
« وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً »
فخرا وكبرا وخيلاء وتبطرا تتعاظم عليهم ، وتتكابر في مشيتك على الناس وأنت منهم
« إِنَّكَ »
أيها الإنسان المتصف في هذه المشية المكروهة
« لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ »
بمشيتك هذه الممقوتة ، فتتصور أنك تثقبها بشدة وطأتك كلا
« وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا »
37 بتشامخك ومدّ عنقك وقامتك مهما تطاولت ، فأنت أنت بل تتصاغر في أعين قومك ،