ولا أرمي البريّ بغير ذنب * ولا أقفو الحواصن إن رمينا
وقيل المراد النهي عن الكذب ، وقال قتادة لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر ، والقول ما قاله الإمام بأن المراد العموم ، لأن اللفظ عام فيتناول الكل ولا معنى للقيد والتقيد ، روى البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في الحلية من حديث معاذ ابن أنس : من قفا مؤمنا بما ليس فيه يريد شينه به حبسه اللّه تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال . وروى الترمذي والنسائي عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وريحانته رضي اللّه عنهما قال : حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . وروى الترمذي عن أبي هريرة قال :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : إياكم والظنّ لأن الظن أكذب الحديث .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : أتدرون ما الغيبة ، قلت اللّه ورسوله أعلم ، قال ذكرك أخاك بما يكره . وفي رواية ولو بحضوره . قلت ولو كان في أخي ما أقول ؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته . هذا وما جاء بأن الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام ، قال أبو عمر الهيثمي لا أصل له ، وقال نعم روى الطبراني والبيهقي وغيرهما الغيبة أشد من الزنى إلا أن له ما يبين معناه ، وهو ما رواه ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن جابر وأبي سعيد رضي اللّه عنهما إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنى ، إن الرجل ليزني فيتوب فيتوب اللّه عليه ، وإن صاحب الغيبة لا يغفر اللّه له حتى يغفر له صاحبه .
فعلم من هذا أن أشدّية المغيبة من الزنى ليست على الإطلاق بل من جهة أن التوبة الباطنية المستوفية لجميع شروطها من الندم والإقلاع ، والعزم على عدم العودة إذا وقعت قبل الغرغرة ، وقبل طلوع الشمس من مغربها ، وظهور دابة الأرض ، مقبولة مكفرة لإثم الزاني بخلاف الغيبة فإن التوبة منها وإن وجدت فيها تلك الشروط