تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
الهاء وضمها
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
قال الزمخشريّ : شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته ، وانتشاره في الشعر وفشوه فيه ، وأخذه منه كل مأخذ - باشتعال النار . ثم أخرجه مخرج الاستعارة . ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس . وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا . فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة . وظاهره أن فيه استعارتين مبنيتين على تشبيهين : أولاهما تصريحية تبعية في ( اشتعل ) بتشبيه انتشار المبيضّ في المسودّ باشتعال النار ، كما قال ابن دريد في ( مقصورته ) .
إمّا ترى رأسي حاكى لونه * طرّة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيضّ في مسودّه * مثل اشتعال النّار في جزل الغضا
والثانية مكنية . بتشبيه الشيب ، في بياضه وإنارته ، باللهب . وهذا بناء على أن المكنية قد تنفك عن التخييلية ، وعليه المحققون من أهل المعاني . وقيل : إن الاستعارة هنا تمثيلية . فشبه حال الشيب بحال النار ، في بياضه وانتشاره
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
أي ولم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت لم أعوّد منك إلا الإجابة في الدعاء ، ولم تردّني قط . وهذا توسل منه إلى اللّه تعالى بما سلف له معه من الاستجابة ، إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة ، من كبر السن وضعف الحال . فإنه تعالى بعد ما عوّد عبده بالإجابة دهرا طويلا . لا يكاد يخيبه أبدا . لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره .

تنبيه :

استفيد من هذه الآيات آداب الدعاء وما يستحبّ فيه . فمنها الإسرار بالدعاء ، لقوله ( خفيّا ) ومنها استحباب الخضوع في الدعاء وإظهار الذل والمسكنة والضعف لقوله :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
ومنها التوسل إلى اللّه تعالى بنعمه وعوائده الجميلة لقوله :
وَلَمْ أَكُنْ
إلخ كما قدمنا .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 5 إلى 6 ]

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 )
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
أي الذين يلون أمر رهطي من بعد موتي ، لعدم صلاحية أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت أقوم به ، من الإرشاد ووعظ
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 85 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود