نادى موسى بصوت سمعه موسى . وإنما ناداه حين أتى ، لم يناده قبل ذلك . وأن صوت الرب لا يماثل أصوات العباد ، كما أن علمه لا يماثل علمهم وقدرته لا تماثل قدرتهم . وأنه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته . ليس في مخلوقاته شيء من ذاته وصفاته القائمة بذاته . ولا في ذاته شيء من مخلوقاته . وأن أقوال أهل التعطيل والاتحاد ، الذين عطلوا الذات والصفات أو الكلام أو الأفعال ، باطلة . وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات والصفات ، باطلة . هذا ما أفاده تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان .
وقال أيضا في قوله تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي
الآية :
كلمات اللّه لا نهاية لها . وهذا تسلسل ، جائز كالتسلسل في المستقبل . فإن نعيم الجنة دائم لا نفاد له . فما من شيء إلا وبعده شيء بلا نهاية .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 110 ]
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 )
قُلْ
أي لهؤلاء المشركين والكافرين من أهل الكتاب
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
أي خصصت بالوحي وتميّزت عنكم به .
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ
أي يخاف المصير إليه ، أو يأمل لقاءه ورؤيته ، أو جزاءه الصالح وثوابه
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً
أي في نفسه ، لائقا بذلك المرجوّ ، وهو ما كان موافقا لشرع اللّه
وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
أي من خلقه إشراكا جليّا . كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه . ولا إشراكا خفيّا . كما يفعله أهل الرياء ، ومن يطلب به أجرا من المدح وتحصيل المال والجاه .
قال أبو السعود : وإيثار وضع المظهر موضع المضمر في الموضعين ، مع التعرض لعنوان الربوبية ، لزيادة التقرير ، وللإشعار بعلية العنوان للأمر والنهي ، ووجوب الامتثال فعلا وتركا .
ودلت الآية - كما قال ابن كثير - على أن للعمل المتقبّل ركنين : كونه موافقا شرع اللّه المنزل ، ومخلصا أريد به وجهه تعالى ، لا يخلط به غيره . وتسمية الرياء شركا أصغر ، ثبت في السنة ، وصح فيها حبوط العمل بالرياء . ودخول الرياء في الآية ، باعتبار عموم معناها ، وإن كان السياق في الشرك الجليّ ، للخطاب مع الجاحدين .
واللّه تعالى هو الموفق والمعين .