تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
ولم يبق منه شيء
قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
أي لكونها غير متناهية ، فلا تنفد نفاد المتناهي . قال أبو السعود . وفي إضافة ( الكلمات ) إلى اسم الرب ، المضاف إلى ضميره صلى اللّه عليه وسلم في الموضعين ، من تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى . وإظهار ( البحر ) و ( الكلمات ) في موضع الإضمار ، لزيادة التقرير . وقوله تعالى :
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
أي بمثل البحر عونا وزيادة ، لنفد أيضا . قال أبو السعود : كلام من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن ، جيء به لتحقيق مضمونه ، وتصديق مدلوله ، مع زيادة مبالغة وتأكيد ، وهذا كقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ لقمان : 27 ] .

تنبيه :

دلت الآية على أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء وكما شاء . وأن كلماته لا نهاية لها . وقد قال الإمام أحمد رحمه اللّه وغيره من الأئمة : لم يزل اللّه متكلما إذا شاء وهو يتكلم بمشيئته وقدرته يتكلم بشيء بعد شيء . وهو مذهب سلف الأمة ، وأئمة السنة ، وكثير من أهل الكلام ، كالهشامية والكرامية وأصحاب أبي معاذ . وطوائف غير هؤلاء يقولون : إن الكلام صفة ذات وفعل ، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته . وهذا هو المعقول من صفة الكلام لكل متكلم . فكل حيّ وصف بالكلام كالملائكة والبشر والجن وغيرهم ، فكلامهم لا بد أن يقوم بأنفسهم ، وهم يتكلمون بمشيئتهم وقدرتهم ، والكلام صفة كمال لا صفة نقص . ومن تكلم بمشيئة أكمل ممن لا يتكلم بمشيئة . فكيف يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق ؟ وأما الجهمية والمعتزلة فيقولون : ليس له كلام قائم بذاته . بل كلامه مخلوق منفصل عنه . والكلابية يقولون : هو متكلم بكلام ليس له عليه قدرة ، ولا يكون بمشيئته . والأشعرية يقولون : إن الكلام معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد . وكل هذه أقوال باطلة مخالفة للكتاب والسنة ، وإجماع سلف الأمة . مبتدعة مبنية على أصل واحد . وهو قولهم إن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية . فلا يقوم به كلام ولا فعل باختياره ومشيئته . وهو أصل باطل مخالف للنقل والعقل . والقرآن الكريم يدل على بطلانه في أكثر من مائة موضع . وأما الأحاديث الصحيحة فلا يمكن ضبطها في هذا الباب . والصواب في هذا الباب وغيره ، هو مذهب سلف الأمة وأئمتها ؟ أنه سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته . وأن كلماته لا نهاية لها . وأنه
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 81 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود